هل تَصِحُّ الشماتة في موت الأعداء والكفار؟

الفتوى رقم 2861 السؤال: السلام عليكم، هل تَصِحُّ الشماتة في موت الأعداء والكفار؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

فقد نصّ أهل العلم -في كتبهم- على جواز الفرح ِبَمهْلِكِ أعداء الإسلام وأهل البدع المغلَّظة وأهل المجاهرة بالفجور، وكذا الكفار مطلَقاً من حيث هلاكُهم؛ لأن بهلاكهم إراحة للعباد والبلاد ممن تمرَّد على الله تعالى وأبى أن يخضع لحكمه ويدين بتوحيده سبحانه. وهنا يَحْضُرُنا كلامٌ للعلَّامة المفسِّر الشيخ محمد متولي الشعراوي -رحمه الله تعالى- في تفسيره حيث قال: “الذي يشذُّ عن مراد الله لا بُدَّ أن يَفْسُدَ به المجتمع، كما نرى المجتمعاتِ تشقى بكفر الكافر، وبعصيان العاصي… ولو أن الناس عملوا بشرع الله ما حدث فساد في الكون ولا خَلَلٌ في حياتهم أبدًا. لذلك نفرح حينما ينتقم الله من أهل الكفر ومن أهل المعصية، ونقول: الحمد لله الذي أراح منهم البلاد والعباد”. اهـ.

ويدل على ذلك -أيضاً- حديث أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ”. رواه البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما، ورواه النسائيُّ في سننه وبوَّب عليه: “باب الاستراحة من الكفار”. وقال الإمام النوويُّ -رحمه الله تعالى- في شرحه على صحيح مسلم (7/20، 21): “معنى الحديث: أن الموتى قسمان: مستريح ومُستَراح منه، ونَصَبُ الدنيا: تعَبُها، وأما استراحة العباد من الفاجر فمعناه: اندفاع أذاه عنهم، وأذاه يكون من وجوه، منها: ظلمه لهم، ومنها: ارتكابه للمنكرات، فإن أنكروها قاسَوا مشقةً من ذلك، وربما نالهم ضرره، وإن سكتوا عنه أثموا. واستراحة الدواب منه كذلك؛ لأنه كان يؤذيها ويضربها ويحملها ما لا تطيقه ويُجِيعها في بعض الأوقات وغير ذلك. واستراحة البلاد والشجر: فقيل: لأنها تُمْنَعُ القَطْرَ بمصيبته، قاله الداودي: وقال الباجي لأنه يغصبها ويمنعها حقَّها من الشرب وغيره”. انتهى.

وصرَّح سلطان العلماء العزُّ بن عبد السلام -رحمه الله تعالى- في كتابه “قواعد الأحكام” بجواز الفرح بُمصاب العدوِّ لأجل الاستراحة منه. وأقَرَّه الإمام الأصوليُّ الزركشيُّ في كتابه “المنثور في القواعد الفقهية”.

ومما يدلُّ على ما قلناه أيضاً قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً) [سورة الأحزاب الآية: 9]. ففي الآية بيان أن إهلاك أعداء الله تعالى من نعَم الله على المسلمين التي تستوجب ذِكراً وشكراً. وقد دعا النبيُّ ﷺ بحلول الشدائد والمصائب على المكذِّبين من قومه، فعن ابن مسعود رضي الله عنه: “أن رسول الله ﷺ دعا قريشًا إلى الإسلام فأبطأُوا عليه، فقال: اللهم أعنِّي عليهم بسبعٍ كسبع يوسف، فأخذَتْهُم سَنَةٌ (أي: شدة وقحط) حتى حَصَّتْ (أي: استأصلَتْ) كلَّ شيء حتى أكلوا الميتة والجلود، حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخانًا من الجوع”. رواه البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما. فالدعاء عليهم دليل على رجاء نزول الهلاك عليهم والفرح بالخلاص منهم. وقد نقل علماء السِّيَر والتراجم سرورَ كثيرٍ من أهل العلم بموت الكفار وروؤس أهل البدع والطغاة…

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *