ما حكم آلات العزف الذاتي التي تعزف اللحن تلقائياً ؟
فتوى رقم 5528 السؤال: آلات العزف الذاتي؛ وهي التي تعزف (تحدث الأصوات المـُطربة والإيقاع الموسيقي) بنفسها بشكل تلقائي (أوتوماتيك)؛ ما حكمها ؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق: فبحسب ما ظهر لنا فإنَّ الصوت المذكور هو صوت صادر عن آلة من المعازف، إما أن تكون الاكسيلوفون أو آلة إلكترونية ذاتية العزف. والاكسيلوفون هي آلة موسيقية مستحدثة مكوَّنة من عدة أخشاب (أو أحياناً معادن) متدرجة الطول والأحجام، ويقوم العازف بطَرْقِ القطع بمطرقة. وبما أن أطوال وأحجام القطع متفاوتة فهي تُصدر أصواتاً مختلفة، وهذه الآلة تدخل تحت مسمَّى آلآت معازف القرع والنقر. وأما الآلة الإلكترونية فهي ذاتية العزف؛ فهي التي تُحدث أصواتاً مُطربة وإيقاعاً موسيقياً بنفسها بشكل تلقائي(أوتوماتيك)؛ ويمكن أن يكون الصوت الذي يصدر منه، هو نفسه الذي يخرج من الآلة المحرَّمة. وقد اتفق فقهاء المذاهب الفقهية الأربعة -الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة- وهو المنقول والمثبت في الكتب المعتمدة عندهم: أنَّ المعازف منها ما هو حرام؛ وهي الآلات الوترية والنفخ، والقرع، والنقر كالكُوبة أي الدربكة. ومنها ما هو مباح: كالدُّف. قال الفقيه المحقِّق ابن حجر الهيتميُّ الشافعيُّ -رحمه الله- في كتابه “كفُّ الرَّعاع عن محرَّمات اللهو والسماع” (ص: 118): “الأوتار والمعازف؛ كالطُّنْبُور والعُود والصَّنْج.. وغير ذلك من الآلات المشهورة عند أهل اللهو والسَّفاهة والفسوق، وهذه كلُّها محرَّمة بلا خِلاف، ومَن حكى فيه خلافًا فقد غلط أو غلب عليه هواه، حتى أصمَّه وأعماه، ومنعه هداه، وزلَّ به عن سَنن تَقواه. وممَّن حكى الإجماعَ على تحريم ذلك كلِّه: الإمامُ أبو العباس القرطبيُّ، وهو الثقة العدل، فإنَّه قال كما نقَلَه عن أئمَّتنا وأقرُّوه: أمَّا َالـمَزَامِير والكُوبَة –الدربكة- فلا يُختَلف فِي تحريم سماعها، ولم أسمعْ عن أحدٍ ممَّن يُعتَبر قولُه من السلف، وأئمَّة الخلف مَن يُبيح ذلك، وكيف لا يُحرَّم وهو شعار أهل الخمور والفسوق، ومهيِّج للشهوات والفساد والـمُجون، وما كان كذلك لم يُشَكَّ فِي تحريمه ولا فِي تفسيق فاعله وتأثيمه. وممَّن نقَل الإجماعَ على ذلك أيضًا إمامُ أصحابنا المتأخِّرين أبو الفتح سُلَيم بن أيوب الرازي، فإنَّه قال فِي “تقريبه” بعد أنْ أورد حديثًا فِي تحريم الكُوبَة، وفي حديث آخَر: “أنَّ اللهَ يَغفِرُ لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة أو كُوبةٍ”، والعَرطَبة: العُود، ومع هذا فإنَّه إجماع”. انتهى. وممّن حكى الإجماعَ أيضاً: الفقيهُ الحنبليُّ ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه “المغني” (9/132)، حيث قال: “آلَةُ اللَّهْوِ كَالطُّنْبُورِ، وَالـمِزْمَارِ، وَالشَّبَّابَةِ… آلَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ، بِالْإِجْمَاعِ”. انتهى. ونَقل الفقيه المحدِّث أبو الحسين البغويُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه “شرح السنّة” (12/383) اتفاقَ العلماء على الحرمة، فقال: “وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيم المزامير والملاهي وَالـمَعَازِف”. انتهى. وقد وردَتْ أحاديثُ في السُّنَّة النبويَّة تبيّن حرمة الاستماع إلى المعازف؛ منها: ما رواه البخاريُّ في صحيحه أن النبيَّ ﷺ قال: “ليكونَنَّ من أمَّتي أقوامٌ يستحِلُّون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف“. ومنها: قول النبيِّ ﷺ: “صوتان ملعونان: صوتُ مزمارٍ عند نعمة، وصوت ويل عند مصيبة”. حسَّنه الحافظ المقدسي في “المختارة”. وفي رواية عن أنسٍ بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: “صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمارٌ عند نعمة، ورَنَّة عند مصيبة”. قال الهيثميُّ في مجمع الزوائد: رواه البزَّار ورجاله ثقات. ومنها: ما رواه أبو داودَ وأحمدُ وغيرُهما عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله ﷺ قال: “إنّ الله حرَّم عليَّ أو حرَّم الخمْرَ والـمَيْسِر، والكوبة، وكلّ مسكر حرام”. وفي رواية: “إنّ الله حرَّم عليكم” .
وننبِّه إلى أنَّ حكم آلات اللهو المستحدَثة والمعاصرة –كالاكسيلوفون والبيانو والأورغ والغيتار، وآلات العزف الذاتي؛ وهي التي تعزف (تُحدث الأصوات المــُطربة والإيقاع الموسيقي) بنفسها بشكل تلقائي (أوتوماتيك)؛ سواء كانت تعزف مباشرة لأول مرَّة أو بحفظها وتخزينها على الأسطوانات والأشرطة والأقراص ثم إعادة تشغيلها لغرض إحداث العزف أو سماعه؛ هو حكم ما ذكرناه في المعازف الوترية، والنفخ، والنقر، والقرع، وهو المنع.
وأما آلآت العزف الذاتي فحكمها حكم ما يصدر منها؛ فإن كان صوتُ آلةٍ محرَّمة فحرام؛ كصوت كُوبة -دربكة مثلاً- وإلا فحلال؛ كصوت دُفّ مثلاً.
تنبيه: ذهب بعض أهل العلم إلى جواز استعمال المعازف حتى أدخلوها على الأناشيد، فقد أفتى بذلك قديماً الشيخ عبد الغني النابلسي -رحمه الله- في كتابه “إيضاح الدلالات في سماع الآلات” وقبله ابن حزم الظاهري -رحمه الله- ومن المعاصرين العلَّامة القرضاوي رحمه الله، إلا أننا لا نُفتي بذلك. والله تعالى أعلم.







