هل تصافح المرأةُ أخا زوجِها حتى لو سمح لها زوجها؟
الفتوى رقم 2960 السؤال: السلام عليكم، هل تصافح المرأةُ أخا زوجِها حتى لو سمح لها زوجها؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
بدايةً، فأخو الزّوج هو أجنبيّ، بمعنى أنه يَحِلُّ له أن يتزوجّها، ويجب أن تحتجبَ عنه إذا كان بالغاً، فحُرمته عليها مؤقَّتة، بل إن النبيَّ ﷺ وصفه “بالموت”. فقد روى البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما عن عُقْبَةَ بن عامر رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: “إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفَرَأيْتَ الحمْوَ؟ قال: الحمْوُ الموت”. والمراد بالحمو أقارب الزوج،؛ كالأخ ونحوه…كما قال أهل العلم.
وعليه: فمصافحته، وكذا مصافحة أيِّ أجنبيٍّ بالغ حرام، ولو أَذِنَ الزّوج فحرام أيضاً. وقد ثبتت هذه الحُرمة بأدلّة صحيحة صريحة، ونصّ فقهاء المذاهب الأربعة على الحُرمة. فعن معقل بن يسار رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: “لئن يُطعَنُ في رأس أحدكم بمِخْيَط من حديد خيرٌ له من أن يَمَسَّ امرأةً لا تَحِلُّ له”. رواه الطبرانيُّ في “الكبير” بسند صحيح.
وروى مسلم في صحيحه عن أمِّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها قالت: “كانت المؤمنات إذا هاجَرْنَ إلى رسول الله ﷺ يُمتحنَّ بقول الله عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ) [سورة الممتحنة الآية: 12]، قالت عائشة: فمَنْ أقرَّ بهذا من المؤمنات فقد أقرَّ بالـمِحنة، وكان رسول الله ﷺ إذا أقرَرْنَ بذلك من قَوْلِهنَّ قال لهنَّ رسول الله ﷺ: انطلِقْن فقد بايَعْتُكُنَّ، ولا والله ما مسَّتْ يدُ رسول اللهِ ﷺ يدَ امرأةٍ قطُّ غير أنه يبايعْهُنَّ بالكلام، قالت عائشة: “واللهِ ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قطُّ إلَّا بما أمره الله تعالى، وما مسَّتْ كفُّ رسول الله ﷺ كفَّ امرأةٍ قَطّ، وكان يقول لهنَّ -إذا أخذ عليهنَّ-: قد بايعْتُكُنَّ، كلامًا”.
وروى مسلم عن عروةَ أن عائشةَ رضي الله عنها أخبرته عن بيعة النساء فقالت: “ما مسَّ رسولُ الله ﷺ بيده امرأةً قطّ، إلَّا أن يأخذَ عليها، فإذا أخذ عليها فأعطَتْه، قال: اذهبي فقد بايعتك”. فهذا المعصوم خير البشرية جمعاء سيد ولد آدم يوم القيامة لا يمسّ النساء، هذا مع أن الأصل في البيعة أن تكون باليد، فكيف بغيره من الرجال؟! وعن أُمَيْمَةَ ابنة رقيقة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: “إنّي لا أصافح النّساء”. رواه النسائي وابن ماجه في سننَيْهما بسند صحيح.
ملخَّص أقوال فقهاء المذاهب الفقهية الأربعة
وهاك ملخَّص أقوال فقهاء المذاهب الفقهية الأربعة في ذلك:
– مذهب الحنفية: قال الفقيه ابن نُجيم -رحمه الله- في “البحر الرائق” (8/219): “ولا يجوز له أن يمسَّ وجهها ولا كفَّها وإن أمن الشهوة؛ لوجود المحرَمِ، ولانعدام الضرورة”.انتهى.
– مذهب المالكية: قال العلَّامة محمد بن أحمد عليش -رحمه الله- في كتابه “مِنَح الجليل شرح مختصر خليل” (1/223): “ولا يجوز للأجنبيّ لمس وجه الأجنبية ولا كفَّيْها، فلا يجوز لهما وضع كفّه على كفّها بلا حائل، قالت عائشةُ رضي الله تعالى عنها: “ما بايعَ النبيُّ ﷺ امرأة بصفحة اليد قطّ، إنما كانت مبايعته ﷺ النساء بالكلام.” وفي رواية: “ما مسَّتْ يدُه يدَ امرأة، وإنما كان يبايعهُنَّ بالكلام”. انتهى.
– مذهب الشافعية: قال الإمام النوويُّ -رحمه الله- في كتابه “المجموع” (4/515): “ولا يجوز مسُّها في شيء من ذلك”. اهـ. وقال العلَّامة وليُّ الدين العراقي -رحمه الله- في “طرح التثريب” (7/45، 46): “وفيه: أنه عليه الصلاة والسلام لم تمسَّ يدُه قَطُّ يدَ امرأة غير زوجاته وما ملكت يمينه، لا في مبايعة، ولا في غيرها، وإذا لم يفعل هو ذلك مع عصمته وانتفاء الريبة في حقّه: فغيرُه أَوْلى بذلك، والظاهر أنه كان يمتنع من ذلك لتحريمه عليه؛ فإنه لم يُعدَّ جوازُه من خصائصه، وقد قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إنه يحرم مسُّ الأجنبية ولو في غير عورتها كالوجه، وإن اختلفوا في جواز النظر حيث لا شهوة ولا خوف فتنة، فتحريم المسِّ آكد من تحريم النظر، ومحلُّ التحريم ما إذا لم تَدْعُ لذلك ضرورة، فإن كان ضرورة؛ كتطبيب، وفصد، وحجامة، وقلع ضرس، وكحل عين، ونحوها مما لا يوجد امرأةٌ تفعله جاز للرجل الأجنبيِّ فِعْلُه للضرورة”.انتهى.
– مذهب الحنابلة: وقال الفقيه الحنبليّ ابن مفلح -رحمه الله- في “الآداب الشرعية” (2/257): “وسُئل أبو عبد الله -أي الإمام أحمد- عن الرجل يصافح المرأة قال: لا، وشدَّد فيه جدًّا، قلت: فيصافحها بثوبه؟ قال: لا. والتحريم اختيار الشيخ تقيّ الدين، وعلَّل بأن الملامسة أبلغ من النظر”. انتهى.
والله تعالى أعلم.








