أحيانًا نُضطَّرُّ للكذب يعني كذبة لا تضرّ، فقط للحفاظ على الودّ، فما الحكم؟

الفتوى رقم 2031 السؤال: بالنسبة للكذب، أحيانًا نُضطَّرُّ للكذب يعني كذبة لا تضرّ، فقط للحفاظ على الودّ كالاعتذار عن مقابلة شخص بحجّة التعب وهو غير حقيقي؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

الأصل في الكذب المنع والتحريم، إلا إذا ترتَّب على ذلك مصلحة كبرى أعظم من الكذب، فإذا دعت الضرورة أو المصلحة الراجحة إلى الكذب فلا حرج في ذلك؛ لما روى البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما من حديث أُمِّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، أن النبيَّ ﷺ قال: “ليس الكذَّاب الذي يُصلح بين الناس فيُنْمِي خيرًا ويقول خيرًا” وزاد مسلم في روايته: “قالت: ولم أسمعه يرخِّص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث: الإصلاح بين الناس، والحرب، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها”.

وروى الترمذيُّ في سُنَنه عن أسماءَ بنت يزيدٍ رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ: “لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ”، والمقصود بالكذب بين الزوجين: الكذب في إظهار الوُدِّ والمحبة لغرض دوام الألفة واستقرار الأسرة، كأنْ يقول لها: إنّك غالية، أو لا أحد أحبّ إليّ منك، أو أنت أجمل النساء في عيني، ونحو ذلك، وليس المراد بالكذب ما يؤدِّي إلى أكل الحقوق، أو الفرار من الواجبات ونحو ذلك. قال الإمام البغويُّ -رحمه الله- في كتابه “شرح السُّنَّة” (13/119): “قال أبو سليمان الخطَّابي: هذه أمور قد يُضطر الإنسان فيها إلى زيادة القول، ومجاوزة الصدق طلبًا للسلامة ورفعًا للضرر، وقد رُخِّص في بعض الأحوال في اليسير من الفساد، لما يُؤمل فيه من الصلاح، فالكذب في الإصلاح بين اثنين: هو أن ينمي (أي: يبلغ) من أحدهما إلى صاحبه خيرًا، ويُبلغه جميلًا، وإن لم يكن سمعه منه، يريد بذلك الإصلاح. والكذب في الحرب: هو أن يُظهر من نفسه قوة، ويتحدث بما يقوّي أصحابه، ويكيد به عدوَّه، وقد رُوي عن النبيّ ﷺ أنه قال: “الحرب خدعة”. وأما كذب الرجل على زوجته فهو أن يَعِدَها ويُمنِّيها، ويُظهر لها من المحبّة أكثر مما في نفسه، يستديم بذلك صحبتَها، ويستصلح بها خُلقها، والله أعلم.

وقال سفيان بن عيينة: لو أن رجلًا اعتذر إلى رجل، فحرَّف الكلام وحسَّنه ليرضيَه بذلك، لم يكن كاذبًا يتأوَّل الحديث: “ليس بالكاذب من أصلح بين الناس” قال: فإصلاحه ما بينه وبين صاحبه أفضل من إصلاحه ما بين الناس.

وروي أن رجلًا في عهد عمر رضي الله عنه قال لامرأته: نشدتك بالله هل تحبيني؟ فقالت: أما إذا نشدتني بالله، فلا، فخرج حتى أتى عمر، فأرسل إليها، فقال: أنتِ التي تقولين لزوجك: لا أحبّك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين نشدني بالله، أفأكذب؟ قال: نعم فاكذُبيه، ليس كل البيوت تُبنى على الحبّ، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب”. انتهى.

وقال الإمام النوويُّ -رحمه الله- في كتابه “شرح صحيح مسلم” عند شرحه لحديث أُمِّ كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها: “وَأَمَّا كَذِبُه لِزَوْجَتِهِ وَكَذِبُهَا لَهُ: فَالْمُرَاد بِهِ فِي إِظْهَار الْوُدّ، وَالْوَعْد بِمَا لَا يَلْزَم، وَنَحْو ذَلِكَ؛ فَأَمَّا الْمُخَادَعَةُ فِي مَنْع مَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا، أَوْ أَخْذُ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا: فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَاَللَّه أَعْلَم”. انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ -رحمه الله- في “فتح الباري” عند شرحه لحديث أمِّ كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها: “وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَذِبِ فِي حَقّ الْمَرْأَة وَالرَّجُل إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يُسْقِط حَقًّا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا أَوْ أَخْذ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا”. انتهى.

قال الإمام النوويُّ -رحمه الله- في كتابه “رياض الصالحين” باب بيان ما يجوز من الكذب: إن الكلام وسيلة إلى المقاصد، كل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يمكن تحصيله إلّا بالكذب جاز الكذب. ثم إنْ كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا كان الكذب مباحًا، وإن كان واجبًا كان الكذب واجبًا، فإذا اختفى المسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله وأخفى ماله، وسئل إنسان عنه وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده وديعة وأراد ظالم أخذها وجب الكذب بإخفائها، والأحوط في هذا كلِّه أن يُوَرِّيَ، ومعنى التورية: أن يقصد بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كذبًا بالنسبة إليه وإنْ كان كذبًا في ظاهر اللفظ، وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب، ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا الحال”. انتهى.

بناء عليه: فإذا كان مقصود الكذب تحبيب الناس بعضهم ببعض، أو الإصلاح ونحو ذلك فلا مانع منه.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *