حكم قضاء الصلوات الفائتة لمن تركت الصلاة سنوات ثم تابت
فتوى رقم 5129 السؤال: السلام عليكم، صديقتي كانت لا تصلِّي واستمرت على ذلك سبع سنوات، سألَتْ أحدًا عن قضاء الصلوات؛ فقال لها: إن العلماء أوجبوا القضاء، وأن ثمة رأياً يقول إن التوبة تَجُبُّ ما قبلها ولكنْ عليها الإكثار من النوافل، فهل يمكن الأخذ بهذا الرأي؛ تيسيراً عليها في أمر القضاء؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
بداية، فإنه لم يقل أحد من أهل العلم إن الإكثار من النوافل يسدُّ نقص الفرائض، وأما بالنسبة لقضاء الصلوات المفروضة، فقد نصَّ جمهور العلماء -من الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، وأكثر الحنابلة- على وجوب قضاء الصلاة؛ سواء تُركت عمدًا أو سهوًا؛ فإنْ كانت الصلوات فائتة بتهاون وتكاسل فيجب -مع التوبة إلى الله تعالى- أن تُقضَى كلُّها، بأسرع وقت، ولا يَحِلُّ له -عند الشافعيَّة والحنابلة- صلاة النوافل حتى تنتهيَ تلك الفوائت. وأما إن كانت الفوائت بسبب عذر؛ كنوم ومرض أو غيرها من الأعذار، فتُقضَى تلك الفوائت على التراخي، والأفضل أن يُسارع إلى قضائها، ولا حرجَ -والحال هذه- أن تصلَّى النوافل، فقد قال الفقيه ابن حجر الهيتميُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- في”الفتاوى الكبرى” (1/189): “ومَن عليه فوائت، فإن كانت فائتة بعذر جاز له قضاءُ النوافلِ معها؛ سواء الراتبة وغيرها… وإن كانت فاتت بغير عذر لم يَجُزِ له فعل شيء من النوافل قبل قضائها؛ لأنه واجب عليه فورًا، وبصَرْفِ الزمن للنوافل تَفُوتُ الفوريَّة، فلزمه المبادرة لقضائها، وهي لا توجد إلا إنْ صَرَفَ لها جميعَ زمنه، فيجب على مَن عليه فوائتُ بغير عذر أن يصرفَ جميع زمنه إلى قضائها ولا يستثني من ذلك إلا الزمن الذي يحتاج إلى صرفه فيما لا بد منه من نحو نومه، وتحصيل مؤنته ومؤنة مَن تلزمه مؤنته، وهذا ظاهر وإن لم يذكروه؛ لأنه إذا لزمه القضاء فورًا كان مُخاطَبًا به خطابًا إيجابيًّا إلزاميًّا في كلِّ لحظة، فما اضطُّر لصرفه في غير ذلك يُعذر في التأخير بقَدْره، وما لم يُضطَّر لصرفه في شيء يجب عليه صرفُه في ذلك الواجب عليه الفوري، وإلَّا كان عاصيًا آثمًا بالتأخير، كما أنه عاصٍ آثمٌ بالترك”. انتهى.
وعليه: فإن الواجب على مَن فاتتها صلواتٌ مفروضة بغير عذر -بتهاوُن أو تكاسل في أدائها- المسارعةُ إلى التوبة النَّصوح، مع العزم على المحافظة على أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها، والمباشرةُ بقضاء ما فاتها في كلّ وقتٍ يُتاح لها فيه القضاء؛ فتقضي ما أمْكَنَها من فروضٍ فقط، حتى يتحصَّل لها قضاءُ جميع ما فاتها، أو يغلب على ظنّها فعلُها ذلك، مع التنبيه على عدم أداء النوافل، وصرف وقت أدائها في أداء قضاء الصلوات المفروضة.
وننبِّه السائلة، بشأن الأخت التائبة -من تركها للصلاة-، أنه قبل أن نطلب منها قضاء ما فاتها من صلوات مفروضة، أن نذكِّرها بعفو الله وسعة مغفرته للتائب، وتثبيتها على التوبة، ونذكِّرها بقول الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [سورة الزمر الآية: 53]، وبقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [سورة البقرة الآية: 222]. وبما رواه مسلمٌ عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إن الله عزَّ وجلَّ يَبسُط يده بالليل ليتوبَ مُسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوبَ مُسيء الليل، حتى تَطْلُعَ الشمس من مغربها». وفي الصحيحَيْن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «لَـلَّهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجُل في أرضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركَه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنتُ فيه، فأنامُ حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشدُّ فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده». فإن داومَتْ على أداء الصلاة المفروضة في وقتها، وعلمنا منها الثباتَ على ذلك، طالبناها حينئذ بوجوب قضاء ما فاتها من الصلوات، وليكنْ بدايةً مع كلِّ فريضة تؤدِّي بعدها قضاءَ فريضة، يعني بعد الفراغ من أداء صلاة فرض الظهر تقضي صلاة ظهرٍ من الفوائت، وهكذا مع كلِّ فرض، وينبغي أن تصلِّيَ بدل النافلة القضاءَ؛ لأنه الواجب في حقِّها. والله تعالى أعلم.








