أبي يعمل في صناعة التماثيل لذوات أرواح، وهي -بطبيعة الحال- لا تجوز، لكنه أيضًا يعمل بالحدادة، والمال الذي يأتي به من التماثيل يصرفه في إيجار المنزل، أو شراء سيارة، أو لدفع أقساط الجامعة

الفتوى رقم 4031  السؤال: السلام عليكم، أبي يعمل في صناعة التماثيل لذوات أرواح، وهي -بطبيعة الحال- لا تجوز، لكنه أيضًا يعمل بالحدادة، والمال الذي يأتي به من التماثيل يصرفه في إيجار المنزل، أو شراء سيارة، أو لدفع أقساط الجامعة، فما حكم استعمال مال أبي عمومًا؟ وما حكم استعمال السيارة، أو الاستفادة من هذا المال لدفع أقساط الجامعة؟ مع العلم أني فتاة لا أعمل وليس لديّ أقرباء ليساعدوني.

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

بداية، فإنه يُشترط لحرمة صناعة التماثيل وبيعها أن تكون لذي روح وغير ممسحوحة؛ وذلك بأن تكون معالم الوجه واضحة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى. روى مسلم في صحيحه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ: “إنّ من أشدِّ الناس عذابًا يوم القيامة الذين يشبِّهون بخلق الله”، وفي رواية: “الذين يُضاهون بخلق الله”. والمعنى: أنّ الصور غير كاملة الملامح -خاصة الوجه- فلا أنفَ فيها ولا عيون، ليست داخلة في الصور المحرَّمة، ولا أصحابها داخلين في الوعيد؛ لأنّه لا يَصْدُقُ عليها أنّها صورة فيها مضاهاة لخلق الله. وورد في حرمة بيع تصاويرَ مجسَّمةٍ لذي روح حديث البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما، أن رسول الله ﷺ قال: “إنّ الله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام”.

وأما بالنسبة لمعاملة مَن كان مالُه مختلطاً بالحرام، فقد ذهب جمهور العلماء -المالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة- إلى أنه تُكره معاملة من اختلط ماله بالحلال والحرام دون الحرمة، وإن اقتضى الورعُ تَرْكَه، هذا إذا لم يُعلم عينُ المال الحرام، فإنْ عُلم فلا يجوز معاملته فيه، ولأنه ﷺ تعامل مع اليهود وقَبِل هداياهم وهم يأكلون الرِّبا وأموالهم سُحْتٌ كما في صحيح البخاري. انتهى ملخَّصًا من “الفتاوى الفقهية” (2/233) للرَّمْليِّ الشافعيِّ رحمه الله تعالى. وروى البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما: “أن النبيَّ ﷺ اشترى طعامًا من يهوديٍّ إلى أَجَلٍ، ورَهَنَه دِرعًا من حديد“. وروى البخاريُّ في صحيحه وغيرُه: “أن سيدنا عثمان رضي الله عنه اشترى بئر رُومة من يهوديٍّ وتصدَّق بها على المسلمين”.

وقد اتفق الفقهاء على كراهة إجابة مَن في ماله حلالٌ وحرام،كأكله منه، ومعاملته، وقَبول هديته وهبته ونحوه. قال العلّامة القَليوبيُّ -رحمه الله- من الشافعية في “حاشيته على شرح الـمَحَلِّيِّ على المِنهاج” (4/263): “لَا يَحْرُمُ الْأَكْلُ، وَلَا الْمُعَامَلَةُ، وَلَا أَخْذُ الصَّدَقَةِ، وَالْهَدِيَّةِ، مِمَّنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ، إلَّا مِمَّا عُلِمَ حُرْمَتُهُ، وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ”. انتهى. وعليه: فلا مانعَ من الأكل والشرب وأخذِ النفقة من والدك على اعتبار أن ماله بحكم المخلوط بالحلال والحرام. والأفضل الاستغناء عنه، خاصة إذا توافرت السيولة المالية. والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *