سنحت لي فرصتا عمل، في واحدة منهما أُضطَّر لبيع الدخان مع الحفاظ على الفرائض وصلاة الجمعة، وفرصة العمل الأخرى لا يُسمح لي بالصلاة بشكل منتظم والالتزام بصلاة الجمعة
الفتوى رقم 3846 السؤال: السلام عليكم، إذا سنحت لي فرصتا عمل، في واحدة منهما أُضطَّر لبيع الدخان مع الحفاظ على الفرائض وصلاة الجمعة، وفرصة العمل الأخرى لا يُسمح لي بالصلاة بشكل منتظم والالتزام بصلاة الجمعة، فإلى أيِّهما أتوجَّه في تعاقدي؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
الأصل أن تبحث عن عمل لا يتعارض مع ديننا، فإنْ تعذَّر بعد بذل الجهد، وكنت مُضطراً للعمل، ويترتب على ذلك ضرر؛ كعجز عن شراء طعام أو دواء أو أجرة مسكن، ولم يكن ثمة مَن يُقَدِّم لك المعونة والمساعدة، ففي هذه الحالة: الضرورة تبيح المحظور؛ لقول الله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [سورة البقرة الآية: 173]. والقاعدة الفقهية المجمع عليها “الضرورات تبيح المحظورات”، و”الضروة تقدَّر بقَدْرها“، يعني إن وجدت عملاً ولو بأقل أجرة وجب عليك ترك العمل المحرّم فوراً.
وعليه: فإذا كان حالك ما ذكرناه فيمكنك أن تعمل ببيع الدخان بمقدار الضرورة، مع وجوب السَّعي والبحث الدائم عن عمل لا يتضمّن محرَّماً. والله تعالى أعلم.
وننصح السائل بأن يبذل قصارى جهده في البحث عن عمل حلال، وأن يتوجَّه بالدعاء إلى الله تعالى بأن يهيِّئ له عملا حلالاً، فأَنْزِل حاجتك بالله، واشكُ إليه حالَك، أسوةً بنبيِّ الله يعقوب بن إسحاق عليهما السلام؛ حيث قال الله عنه: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [سورة يوسف الآية:86]، فكشف الله غمَّه وردّ عليه ابنه، وكذلك حال أيوب لما مسَّه الضرُّ شكا إلى ربِّه فكشف عنه ضرَّه، حيث قال الله: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) [سورةالأنبياء الآيتان:83-84].
فاستعِن بالله عزَّ وجلَّ على قضاء حوائجك وأكثِر من الاستغفار فهو من أسباب الرزق وفتح أبوابه، قال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) [سورة نوح الآيات:10-11-12]. وروى أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، قال: “دخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة! ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلتَه أذْهَب الله عزَّ وجلَّ همَّك وقضى عنك دينك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهمَّ إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدَّين وقهر الرجال، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عزَّ وجلَّ همّي، وقضي عني ديني”.
وروى الترمذيُّ وحسَّنه، عن أبي وائل –شقيق بن سلمةَ-، عن علي رضيَ الله عنه: “أن مكَاتَباً –عبداً- جاءه فقال: إني قد عجزت عن كتابتي فأعنّي. قال: ألا أعلِّمك كلماتٍ علمنيهنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، لو كان عليك مثل جبل ثَبِيرٍ –من أعظم جبال مكَّة- دَيْنًا أدّاه الله عنك؟ قال: قل: اللهمَّ اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك”.








