طلاق الغضبان
فتوى رقم 5272 السؤال: حصل خلاف بيني وبين زوجتي، وهجرنا بعضنا لمدة ثلاثة أيام، ساءت خلالها حالتي النفسية كثيراً، ثمَّ بعد هذه المدة دخلت إلى غرفتي، وجرى بيننا كلام غضبتُ فيه بشكل كبير وطلَّقتها ثلاثاً؛ فهل وقع الطلاق ؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
بدايةً، فإن الغضب المعهود من الزوج لا يمنع من وقوع الطلاق، بخلاف الغضب الشديد الذي بلغ بصاحبه حدًّا فَقَدَ معه الشعور والإدراك؛ بحيث صار لا يَعِي ما يقول، أو يَعِي ما يقول لكنَّه لم يستطع معه ضبط نفسه؛ ففَقْدُ السيطرة مع وجود قرائن تدلُّ على ذلك: كضرب، أو صراخ، بحيث تشبه أفعالُه أفعالَ المجنون أو المدهوش -كما يسمِّيه فقهاء الأحناف- فهذا لا يقع طلاقه؛ لما رواه أبو داود وابن ماجه عن أمِّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها، قالت: سمعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول:“لا طلاق ولا عِتَاق فِي إِغْلاق”. والإغلاقُ معناه: انغلاق الذهن عن النظر والتفكير؛ بسبب الغضب أو غيره. وقد نصَّ مذهب الحنفيَّة والحنابلة على عدم وقوع طلاق الغضبان بالوصف الذي ذكرناه، وسمَّاه الحنفيَّة طلاق المدهوش؛ قال الفقيه الحنفيُّ ابن عابدين الدمشقيُّ في كتابه: “رد المحتار على الدر المختار” ما نصُّه: “والذي يظهر لي أن كُلًا من المدهوش والغضبان لا يلزم فيه أن يكون بحيث لا يعلم ما يقول، بل يُكتفى فيه بغلبة الهذيان، واختلاط الجِدِّ بالهزل، ولا ينافيه تعريف الدَّهَشِ بذهاب العقل؛ فإن الجنون فنون، ولذا فسَّره في “البحر” -أي: البحر الرائق لابن نجيم- باختلال العقل، وأدخل فيه العَتَه، والبِرْسام، والإغماء، والدَّهَش. ويؤيد ما قلنا قولُ بعضهم: العاقل مَن يستقيم كلامه وأفعاله إلا نادرًا، والمجنون ضِدُّه. وأيضًا فإن بعض المجانين يعرف ما يقول ويريده، ويذكر ما يشهد الجاهل به بأنه عاقل، ثم يظهر منه في مجلسه ما ينافيه، فإذا كان المجنون حقيقة قد يعرف ما يقول ويقصده، فغيره بالأَولى. فالذي ينبغي التعويل عليه في المدهوش ونحوه إناطة الحكم بغَلَبَةِ الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته”. انتهى. باختصار من “الموسوعة الفقهية الكويتية”(29/18).
وعليه: فإن كان وصف الطلاق في حالة الغضب التي ذكرناه –أي الذي بلغ بصاحبه حدًّا فَقَدَ معه الشعور والإدراك، بحيث صار لا يَعِي ما يقول، أو يَعِي ما يقول ولكنه لم يستطع معه ضبط نفسه( كما صرَّح الزوج في السؤال الصوتي)، ففَقْدُ السيطرة مع وجود قرائن تدلُّ على ذلك: كضرب وصريخ؛ بحيث تشبه أفعالُه أفعالَ المجنون أو المدهوش كما يسمِّيه فقهاء الأحناف- فلا يقع الطلاق، وإلا بأنْ كان الغضب غير الوصف المذكور في السؤال، فالطلاق واقع بالثلاث، وحينئذ تصير الزوجة بائنة بينونة كبرى فلا يَحِلُّ إرجاعها، لا بعقد جديد ولا بغيره، حتى تنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِن طَلَّقَهَا الزوج الجديد أو توفِّي عنها، وانقضت العدة جاز للزوج الأول أن يعقدَ عليها، لقول الله تعالى في القرآن الكريم: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). [سورة البقرة الآيتان: 229 ،230]. والله تعالى أعلم.
تنبيه: هذه الفتوى بالشروط المذكورة أعلاه، والزوج هو أدرى بحاله أثناء التلفُّظ بالطلاق، والعبرة بقوله، وإذا كان ثمة أمر غير مذكور في السؤال فلا يُفتى بالفتوى نفسها، بل يجب سؤال أهل العلم من قِبَلِ الزوج الذي حصل معه الأمر.








