حكم العمل عند صاحب مالٍ مختلط يتعامل بالقروض الربوية
فتوى رقم 5132 السؤال: هل يجوز العمل في شركة صاحبها يتعامل مع البنوك الربوية ويقترض منها؛ بحيث تكون تجارته قائمةً أساسًا على رأس مال من قرض ربوي؟ وهل يجب على كلِّ مَن يتقدم لوظيفة أن يتحرَّى عن مال صاحب العمل ومصدره؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
أخي السائل، بداية إذا كان العمل -الوظيفة-مباحاً، فإنَّ الأجرة أو الراتب تكون حلالاً. وأما بالنسبة لأموال صاحب العمل أو الجهة التي تعمل عندها، فإن كان ماله كلُّه حراماً، وليس لديه مال حلال فيُنظر حينئذ لهذا المال الحرام، هل هو حرام لعينه أم لغيره، فقد نصَّ أهل العلم على أن المال الحرام، إما أن يكون حراماً لعينه أو حراماً لغيره، فالحرام لعينه كالمال المسروق وثمن الخمر والرِّبا -أي مال الرِّبا نفسه- ونحوه، فهذا حُرمته لعينه، فلا يَحِلُّ أخذُه إذا عُلم أنه عين المال الحرام. وأما الحرام لغيره كالمال الذي نتج عن عقد اختلت شروطه، أو مال اقتُرض بربًا -كما في السؤال- ونحوه، فقد ثبت أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يتعامل مع اليهود، مع أنهم قوم يأكلون الرِّبا ويتعاملون بها، روى البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحَيْهما: “أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم اشترى طعامًا من يهوديٍّ إلى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا له من حديد“. واشترى سيِّدنا عثمانُ -رضي الله عنه- بئر رُومة من يهوديٍّ وتصدَّق بها على المسلمين. وقد نصَّ فقهاء المذاهب الفقهية الأربعة على أنه لا يَحْرُمُ التعامل المباح مع مَن في ماله حرام، وإنما يُكره ذلك، ولكن الورع في ترك التعامل معه؛ لما رواه البخاريُّ في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: “كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلاَمُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ”. قال الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ -رحمه الله- في كتابه: “فتح الباري” (7/154): “قَالَ ابْنُ التِّين: إِنَّمَا اسْتَقَاءَ أَبُو بَكْرٍ تَنَزُّهًا؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ وُضِعَ، وَلَوْ كَانَ فِي الْإِسْلَام لَغَرِمَ مِثْلَ مَا أَكَلَ أَوْ قِيمَتَه، وَلَمْ يَكْفِهِ الْقَيْءُ، كَذَا قَالَ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَبَا بَكْر إِنَّمَا قَاءَ لِمَا ثَبَتَ عِنْده مِنْ النَّهْي عَنْ حُلْوَانِ الْكَاهِن، وَحُلْوَانُ الْكَاهِن: مَا يَأْخُذهُ عَلَى كِهَانَته”. انتهى. وقد أورد الإمام النوويُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- الحديثَ في كتابه: “رياض الصَّالحين”، وبوَّب عليه: “باب الورع، وترك الشبهات”. قال العلًّامة القَليوبي -رحمه الله- من الشافعيَّة في “حاشيته على شرح المحلِّي على المنهاج” (4/263): “لَا يَحْرُمُ الْأَكْلُ، وَلَا الْمُعَامَلَةُ، وَلَا أَخْذُ الصَّدَقَةِ، وَالْهَدِيَّةِ، مِمَّنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ، إلَّا مِمَّا عُلِمَ حُرْمَتُهُ، وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ”. انتهى.
وعليه: فلا مانعَ من العمل عملاً مباحاً عند مَن يقترض من البنك، أو كان ماله مختلطاً حلالاً وحراماً، إلا إنْ عَلم أنه عين المال الحرام كسرقة وثمن الخمر ونحوه. واعلم أنَّ ما يتقاضاه من أجرة حلال، وقد اتفق الفقهاء على كراهة العمل عنده؛ يعني: الافضل عدم ذلك، وكذا الأكل من طعامه، أو التعامل المالي معه، وقبول هديته وهبته ونحوه. والله تعالى أعلم.








