هل يد المؤتمن يد أمانة أم يد ضمان؟ وما حكم أخذ المال من شخص أعلم بأن ماله مسروق وأنا بحاجة لهذا المال؟

فتوى رقم 4213 السؤال: كنت أحمل أمانةَ مبلغٍ يخصُّ الشركة التي أعمل بها ووضعتها في حقيبة ظهري على أن أسلّمها لأمين الصندوق غداً، وعندما ذهبت إلى العمل لكي أسلِّمه المال لم أجد المال! هل يجب أن أسدّد المال من مالي الخاص؟ وهل يُعتبر هذا تفريطاً لأنني وضعتها في حقيبة الظهر ولم أضعها في خزانتي في المكتب؟

استفتاء آخر: شخص سرق وأعطاني مالاً كمساعدة لي، وأنا أحتاج إلى هذا المال لكنني لا أعلم: هل هذا من ماله الحلال أم من المال الذي سرقه؟ فما حكم أخذ هذا المال إذا علمت أنه من المال المسروق؟ علماً بأنني أحتاج بشدة إلى هذا المال.


الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

بالنسبة للسؤال الأول: فقد اتفق الفقهاء على أن يد المؤتمن يدُ أمانةٍ لا يدَ ضمان، إلا إذا تعدَّى أو قَصَّر في الحفظ، فمن فَرَّط في حفظ الأمانة ضَمِنَ، وقد اتفق العلماء على أنَّ:”الإهمال في الأمانات إذا أدى إلى هلاكها أو ضياعها يوجب الضمان، سواء أكان أمانة بقصد الاستحفاظ كالوديعة، أم كان أمانة ضِمْنَ عقدٍ؛ كالمأجور.” انتهى. من الموسوعة الفقهية 7/167. وضياعها بالوصف الذي ذُكر في السؤال هو إهمال، فكيف تضيع وقد وضعها في الحقيبة، فلا يمكن أن تضيع إلا بسبب ما، كأنْ سقطت من الحقيبة أو أنَّ أحداً من الناس غافله وسرقها.

وعليه: يجب ضمان تلك الأمانة، بسبب التفريط الحاصل، بحملها ونقلها من مكان العمل إلى البيت، ثم العودة بها في اليوم التالي إلى العمل.

وأما بالنسبة للمسألة الثانية: فالأصل فيها هو حكم معاملة مَن كان ماله مخلوطاً بالحرام ــ يعني جزء منه حلال وجزء حرام ـــ ، فهل يجوز التعامل المالي معه أم لا؟ فقد نصَّ فقهاء المذاهب الفقهية الأربعة على أنه لا يَحْرُمُ التعامل المباح مع مَن في ماله حرام، وإنما يُكره ذلك،

والورع في ترك التعامل معه؛ لما رواه البخاريُّ في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: ” كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلاَمُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ”. قال الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ -رحمه الله- في كتابه: “فتح الباري”(7/154): “قَالَ ابْنُ التِّين: إِنَّمَا اسْتَقَاءَ أَبُو بَكْر تَنَزُّهًا؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ وُضِعَ، وَلَوْ كَانَ فِي الْإِسْلَام لَغَرِمَ مِثْلَ مَا أَكَلَ أَوْ قِيمَتَه، وَلَمْ يَكْفِهِ الْقَيْءُ، كَذَا قَالَ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَبَا بَكْر إِنَّمَا قَاءَ لِمَا ثَبَتَ عِنْده مِنْ النَّهْي عَنْ حُلْوَانِ الْكَاهِن، وَحُلْوَانُ الْكَاهِن مَا يَأْخُذهُ عَلَى كِهَانَته”. انتهى.

وقد أورد الإمام النوويُّ الشافعيُّ – رحمه الله تعالى – الحديثَ في كتابه: “رياض الصَّالحين”، وبوَّب عليه: “باب الورع، وترك الشبهات”.

وعليه: بما أنه أخبرك بأنه سَرَق مالاً، فقد وجب عليك سؤاله عن المال الذي دفعه لك؛ فإن قال لك: إنه من المال المسروق، حَرُمَ عليك أخذُه، وإلا بأنْ قال ليس هو من المال المسروق، حَلَّ لك أخذُه مع الكراهة. والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *