حكم استخدام الرسوم التوضيحية والوسائل البصرية في تعليم القرآن الكريم والسنَّة النبوية
فتوى رقم 5057 السؤال: هل يجوز استخدام الرسوم التوضيحية والوسائل البصرية الحديثة في تعليم معاني القرآن الكريم والسنَّة النبوية، كأنْ تُستخدم لتقريب مفاهيمَ معيَّنةٍ أو لشرح أحكام مثل الوضوء أو الصلاة؟
وما هي الضوابط الشرعية لاستخدام هذه الوسائل، خاصة فيما يتعلق بالرسم أو التمثيل لبعض الأمور الغيبية أو الشخصيات الدينية؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
بدايةً، فإنَّ وسائل التعليم تخضع للعادات وللتجارب، فهي تدخل تحت مسمَّى المباحات إلا إذا تضمَّنت ما هو منهيٌّ عنه؛ كاستعمال آلات المعازف المنهيِّ عنها في التعليم. وقد استعمل النبيُّ المعلِّم صلَّى الله عليه وسلَّم وسائلَ تعليميةً مؤثِّرة بحسب ما كان متيسراً في زمانه، منها رسم الأشكال التوضيحية والمناسبة للفكرة التي كان يلقيها على الصحابة رضي الله عنهم، فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحَيْهما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: “خَطَّ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خَطًّا مُرَبَّعًا ، وَخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الوَسَطِ . وَقَالَ : هَذَا الإِنْسَانُ ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا“. ومنها استعماله عليه الصلاة والسلام أسلوبَ التعليم بالفعل؛ لأنه أكثر تأثيراً في النفس، وأرسخ في الذاكرة، فصلَّى على المنبر بين يدي الناس ثم قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي” رواه البخاري ومسلم. ومنها استخدامه صلَّى الله عليه وسلَّم التشبيهَ البلاغيَّ بأنواعه المختلفة، فقد روى البخاريُّ في صحيحه عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: “مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا ، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ ، فَقَالُوا : لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا ، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا ، وَنَجَوْا جَمِيعًا “. وروى ابن ماجه في سننه عن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: “مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ”. وروى الطبرانيُّ عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: “مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ؛ مَا أَخَذْتَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ نَفَعَكَ”. واعلم أن هذا الاستعمال للرسوم التوضيحية ليس على إطلاقه بل هو مقيَّد بشروط؛ وهي:
- أن لا يتضمَّن الرسم التوضيحيُّ أيَّ أمرٍ من أمور الغيب؛ سواء كان ذلك ماضياً لم نشهده، أو حاضراً غاب عنا وصفه وهيئته، كحال الجنة والنار، وأهوال القبور، وعالم الملائكة، والجن، والشياطين، أو رسوم لأحوال البعث والنشور والدار الآخرة.
- أن لا يتضمَّن رسماً لنبيٍّ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
- وجوب إشراف أهل العلم المتخصِّصين في معاني القرآن الكريم أو ألفاظ الحديث النبويِّ الشريف في اختيار رسم توضيحيٍّ مناسب؛ مثلاً كالوضوء، والغسل، والصلاة، التذكية،…. .
وعليه: فإن تحقَّقت الشروط المذكورة فلا حرجَ في وضع رسوم توضيحية لمعاني القرآن الكريم والسنَّة النبوية الشريفة. والله تعالى أعلم.








