حكم الطلاق في حالة الغضب الشديد وتكرار الطلاق ثلاث مرات
فتوى رقم 5022 السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا مقيم في دولة وزوجتي في دولة، طلَّقت زوجتي ثلاث مرات في مواقفَ مختلفة:
المرة الأولى كنت في حالة غضب. والمرة الثانية قلت لها: “أنتِ طالق” لكن دون أن أنويَ الطلاق فعليًّا. والمرة الثالثة: لم أكن مرجعها على ذمتي، وأحضرَتْ ابنتي الوحيدة وأصبحت تضربها وتقول لي: طلِّقني وأنا كنت في حالة غضب شديد فقلت لها: “أنتِ طالق طالق بالثلاثة”.
وأنا نادم على ما حصل، وأشعر أنني كنت في حالة غضب شديدة عند بعض الطلقات، وربما فقدت السيطرة على نفسي، فهل تُحسب هذه الطلقات وتُعَدُّ زوجتي مطلّقة طلاقًا بائنًا؟ وهل ثمة فرق بين الغضب العادي والغضب الشديد في وقوع الطلاق؟ أرجو بيان الحكم الشرعي بالتفصيل، وجزاكم الله خيرًا.
فالجواب، وبالله تعالى التوفيق:
بحسب السؤال الوارد “فأنت طلَّقت أول مرة وكنت في حالة الغضب، وفي المرة الثانية قلت لها: “أنت طالق” ولكنك لم تُرِدِ الطلاقَ. وفي الحالة الثالثة: قلت لها: “أنت طالق طالق بالثلاثة”.
أخي السائل: بداية، فإن الغضب المعهود من الزوج لا يمنع من وقوع الطلاق، بخلاف الغضب الشديد الذي بلغ بصاحبه حدًّا فَقَدَ معه الشعور والإدراك؛ بحيث صار لا يَعِي ما يقول، أو يَعِي ما يقول ولكنه لم يستطع معه ضبط نفسه؛ ففَقْدُ السيطرة مع وجود قرائن تدلُّ على ذلك: كضرب وصريخ؛ بحيث تشبه أفعالُه أفعالَ المجنون أو المدهوش -كما يسمِّيه فقهاء الأحناف- فهذا لا يقع طلاقه؛ لما رواه أبو داود وابن ماجه عن أمِّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: “لا طلاق ولا عِتَاق فِي إِغْلاق”. والإغلاقُ معناه: انغلاق الذهن عن النظر والتفكير؛ بسبب الغضب أو غيره. وقد نصَّ مذهب الحنفيَّة والحنابلة على عدم وقوع طلاق الغضبان بالوصف الذي ذكرناه، وسمَّاه الحنفيَّة طلاق المدهوش؛ قال الفقيه الحنفيُّ ابن عابدين الدمشقيُّ في كتابه: “رد المحتار على الدر المختار” ما نصُّه: “والذي يظهر لي أن كُلًا من المدهوش والغضبان لا يلزم فيه أن يكون بحيث لا يعلم ما يقول، بل يُكتفى فيه بغلبة الهذيان، واختلاط الجِدِّ بالهزل، ولا ينافيه تعريف الدهش بذهاب العقل، فإن الجنون فنون، ولذا فسَّره في “البحر” -أي: البحر الرائق لابن نجيم- باختلال العقل، وأدخل فيه العته، والبرسام، والإغماء، والدهش. ويؤيد ما قلنا قولُ بعضهم: العاقل مَن يستقيم كلامه وأفعاله إلا نادرًا، والمجنون ضِدُّه. وأيضًا فإن بعض المجانين يعرف ما يقول ويريده، ويذكر ما يشهد الجاهل به بأنه عاقل، ثم يظهر منه في مجلسه ما ينافيه، فإذا كان المجنون حقيقة قد يعرف ما يقول ويقصده، فغيره بالأَولى. فالذي ينبغي التعويل عليه في المدهوش ونحوه إناطة الحكم بغَلَبَةِ الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته”. انتهى. باختصار من “الموسوعة الفقهية الكويتية” (29/18).
وعليه: فان كان وصف الطلاق في حالة الغضب التي ذكرناه –أي الذي بلغ بصاحبه حدًّا فَقَدَ معه الشعور والإدراك، بحيث صار لا يَعِي ما يقول، أو يَعِي ما يقول ولكنه لم يستطع معه ضبط نفسه؛ ففَقْدُ السيطرة مع وجود قرائن تدلُّ على ذلك: كضرب وصريخ بحيث تشبه أفعالُه أفعالَ المجنون أو المدهوش كما يسمِّيه فقهاء الأحناف- فلا يقع الطلاق، وإلا بأنْ كان الغضب غير الوصف المذكور، فالطلاق واقع بالثلاث، وحينئذ تصير الزوجة بائنة بينونة كبرى فلا يَحِلُّ إرجاعها، لا بعقد جديد ولا بغيره، حتى تنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِن طَلَّقَهَا الزوج الجديد أو توفِّي عنها، وانقضت العدة جاز للزوج الأول أن يعقدَ عليها- لقول الله تعالى في القرآن الكريم: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). [سورة البقرة الآيتان: 229 ،230]. والله تعالى أعلم.
تنبيه: هذه الفتوى بالشروط المذكورة أعلاه، وإذا كان ثمة أمر غير مذكور في السؤال فلا يُفتى بالفتوى نفسها، بل يجب سؤال أهل العلم من قِبَلِ الزوج الذي حصل معه الأمر.








