أرادت نقل ملكية البيت لاسمها، وطلبت منه التنازل عن المنزل، فاشترط مبلغاً كبيراً من المال

الفتوى رقم 3614 السؤال: السلام عليكم، قريبةٌ لي عندها منزل في عمّان، لكنه مسجَّل باسم صديق زوجها؛ باعتبارهم فلسطينيين ولا يحق لهم التملُّك، وهو يمتلك جنسية أردنية، والصديق سجّله باسمه خدمةً لصديقه. وبعد سنوات، وبعد وفاة زوجها، حصلت على الجنسية الأردنية، وأرادت نقل ملكية البيت لاسمها، وطلبت منه التنازل عن المنزل، فاشترط مبلغاً كبيراً من المال –ما يعادل 40 ألف دولار-، وبعد توسُّط أهل الخير خفّض المبلغ إلى 22 ألف دولار، فهل يَحِقُّ له ذلك؟ علماً بأنهم وقت تسجيل المنزل باسمه لم يَعِدُوه بشيء، وهو لم يطلب أيّ مقابل.

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

بدايةً، فإنّ ما قامت به تلك المرأة من تسجيل البيت بأوراق رسمية باسم ذلك الرجل هو إجراء رسميٌّ فقط؛ لاعتبار المنزل مملوكاً -من حيث الظاهر- لمن يحمل الجنسية الأردنية، مع معرفة ذلك الرجل الأردنيّ وعلمه ورضاه، بأن المالك الأصليَّ هو تلك المرأة الفلسطينية، وهو لم يشترط عليها أن يأخذ جُعْلاً –بدلاً- ماليًّا لقيامه بهذا الإجراء. وكان ينبغي على مالكة المنزل أن تقوم بتسجيل ورقة تحفظ بها حقَّها عند من يُسمّى كاتب عدل بأن هذا المنزل هو ملك لها.

وعليه: فبما أن هذا الرجل لم يشترط جُعْلاً –بدلاً- ماليًّا على قيامه بهذا الإجراء، فلا يَحِلُّ له المطالبة ببدل ماليٍّ مقابل التنازل عن ملكية المنزل، بحُجَّة امتلاكه لتلك الورقة التي تفيد ملكيته له، وتُعَدُّ مطالبته بمالٍ مِنْ قَبيل أكل أموال الناس بالباطل؛ لعلمه بأنه في الأصل غير مالك له، قال الله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [سورة البقرة الآية:188].

ويروي الإمام الطبريُّ -رحمه الله- في تفسيره بسنده إلى سيِّدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) قال: “فهذا في الرجل يكون عليه مالٌ، وليس عليه فيه بيِّنة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكَّام وهو يعرف أنّ الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم: آكلٌ حرامًا”. وعن قتادة -رحمه الله تعالى- قال: “… واعلم يا ابن آدمَ أن قَضاء القاضي لا يُحِلُّ لك حراماً ولا يُحِقُّ لك باطلاً، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرَى ويشهدُ به الشهود، والقاضي بَشر يخطئ ويصيب. واعلموا أنه مَن قد قُضي له بالباطل، فإنَّ خصومته لم تنقضِ حتّى يَجْمَعَ اللهُ بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبُطِل للمُحِقّ، بأجودَ مما قُضي به للمُبطل على المحقّ في الدنيا”. انتهى.

يقول المفسّر الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسيره للآية: “وفي الصحيحين، عن أمِّ سلمةَ رضي الله عنها: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعلَّ بعضَكم أن يكون أَلْحـَنَ بحُجّته من بعض، فأقضي له، فمَن قضيتُ له بحقِّ مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فلْيَحْمِلْها، أو ليذَرْها“.

فدلّت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديثُ على أنَّ حُكْمَ الحاكمِ لا يغير الشيء في الأمر نفسه، فلا يُحِلُّ في الأمر نفسِه حرامًا هو حرام، ولا يحرّم حلالًا هو حلال، وإنما هو يلزم في الظاهر، فإنْ طابقَ في الأمر نفسه فذاك، وإلا فللحاكم أجرُه وعلى المحتال وِزْرُه”. انتهى.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *