هل تصح التجارة في العملات بيعًا و شراءً؟

الفتوى رقم: 1586 السؤال هل تصح التجارة في العملات بيعًا و شراءً؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

أخي السائل: الأصل في الاتجار بالعملات الإباحة بشرط أن يُلتزم بالشروط التي تمنع الوقوع في الربا؛ والتي منها: التقابض الحقيقي في مجلس العقد، فيجوز بيع اليورو بالدولار -مثلًا – بشرط أن يقع الاستلام والتسليم في مجلس العقد، ومنها: ألَّا يكون تفاضلٌ في العملات عند اتحاد الجنس (العملة) دولار بدولار، فلا يصح أن يبيع دولارًا بدولارين؛ لأنه من ربا الفضل، فلا بد من التساوي والتقابض في مجلس العقد إذا اتحدت العملة، ودليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: “الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ؛ مِثْلا بِمِثْلٍ؛ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ”. هذا من حيث العموم.

ووننبِّه السائل على أن التعامل ببورصة العملات عبر الإنترنت والشائع المنتشر هو عبر شركة الفوركس، لا يَحِلّ. وقد صدر قرار عن مجمع الفقه الإسلامي (وهو يضم كبار الفقهاء) في مكة المكرمة بالمنع، وهذا نصُّه:

“الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، سيِّدِنا ونبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي، في دورته الثامنة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من 10-14/3/1427هـ الذي يوافقه 8-12 إبريل 2006م، قد نظر في موضوع: (المتاجرة بالهامش، والتي تعني (دفع المشتري [العميل] جزءًا يسيرًا من قيمة ما يرغب شراءه يسمّى [هامشًا]، ويقوم الوسيط [مصرفًا أو غيره]، بدفع الباقي على سبيل القرض، على أن تبقى العقود المشتراة لدى الوسيط، رهنًا بمبلغ القرض.

وبعد الاستماع إلى البحوث التي قدِّمت، والمناقشات المستفيضة حول الموضوع، رأى المجلس أن هذه المعاملة تشتمل على الآتي:

  • – المتاجرة (البيع والشراء بهدف الربح)، وهذه المتاجرة تتم -غالبًا- في العملات الرئيسية، أو الأوراق المالية (الأسهم والسندات)، أو بعض أنواع السلع، وقد تشمل عقود الخيارات، وعقود المستقبليات، والتجارة في مؤشِّرات الأسواق الرئيسية.
  • – القرض، وهو المبلغ الذي يقدمه الوسيط للعميل مباشرة إن كان الوسيط مصرفًا، أو بواسطة طرف آخر إن كان الوسيط ليس مصرفًا.
  • – الربا، ويقع في هذه المعاملة من طريق (رسوم التبيِيْت)، وهي الفائدة المشروطة على المستثمر إذا لم يتصرف في الصفقة في اليوم نفسه، والتي قد تكون نسبة مئوية من القرض، أو مبلغًا مقطوعًا.
  • – السمسرة، وهي المبلغ الذي يحصل عليه الوسيط نتيجة متاجرة المستثمر (العميل) عن طريقه، وهي نسبة متفق عليها من قيمة البيع أو الشراء.
  • – الرهن، وهو الالتزام الذي وقعه العميل بإبقاء عقود المتاجرة لدى الوسيط رهنًا بمبلغ القرض، وإعطائه الحق في بيع هذه العقود واستيفاء القرض إذا وصلت خسارة العميل إلى نسبة محددة من مبلغ الهامش، ما لم يقم العميل بزيادة الرهن بما يقابل انخفاض سعر السلعة.
ويرى المجلس أن هذه المعاملة لا تجوز شرعًا؛ للأسباب الآتية:

أولًا: ما اشتملت عليه من الربا الصريح، المتمثِّل في الزيادة على مبلغ القرض، المسمَّاة (رسوم التبيِيْت)، فهي من الرِّبا المحرَّم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) [سورة البقرة الآيتان: 278، 279].

ثانيا: أن اشتراط الوسيط على العميل أن تكون تجارته عن طريقه، يؤدي إلى الجمع بين سَلَفٍ ومعاوضة (السمسرة)، وهو في معنى الجمع بين سلف وبيع، المنهي عنه شرعًا في قول الرسول ﷺ: “لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبيع…” الحديث رواه أبو داود (3/384)، والترمذي (3/526) وقال: حديث حسن صحيح. وهو بهذا يكون قد انتفع من قرضه، وقد اتفق الفقهاء على أن كلَّ قرضٍ جرَّ نفعًا فهو من الرِّبا المحرَّم.

ثالثًا: أن المتاجرة التي تتم في هذه المعاملة في الأسواق العالمية غالبًا ما تشتمل على كثير من العقود المحرَّمة شرعًا؛ ومن ذلك:

  • – المتاجرة في السندات، وهي من الرِّبا المحرَّم، وقد نص على هذا قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم (60) في دورته السادسة.
  • – المتاجرة في أسهم الشركات دون تمييز، وقد نصَّ القرار الرابع للمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة سنة 1415هـ على حرمة المتاجرة في أسهم الشركات التي غرضها الأساسي محرَّم، أو بعض معاملاتها ربا.
  • – بيع وشراء العملات يتم غالبًا دون قبض شرعي يُجيز التصرُّف.
  • – التجارة في عقود الخيار وعقود المستقبليات، وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم (63) في دورته السادسة، أن عقود الخيارات غير جائزة شرعًا؛ لأن المعقود عليه ليس مالًا ولا منفعة ولا حقًا ماليًّا يجوز الاعتياض عنه.. ومثلها عقود المستقبليات والعقد على المؤشِّر.
  • – أن الوسيط في بعض الحالات يبيع ما لا يملك، وبيع ما لا يُملك ممنوع شرعًا.

رابعًا: لما تشتمل عليه هذه المعاملة من أضرار اقتصادية على الأطراف المتعاملة، وخصوصًا العميل (المستثمر)، وعلى اقتصاد المجتمع بصفة عامة؛ لأنها تقوم على التوسُّع في الديون، وعلى المجازفة، وما تشتمل عليه غالبًا من خداع وتضليل وشائعات، واحتكار ونجش وتقلُّبات قوية وسريعة للأسعار، بهدف الثراء السريع والحصول على مدخرات الآخرين بطرق غير مشروعة، مما يجعلها من قبيل أكل المال بالباطل، إضافة إلى تحويل الأموال في المجتمع من الأنشطة الاقتصادية الحقيقية المثمرة إلى هذه المجازفات غير المثمرة اقتصاديًّا، وقد تؤدي إلى هزات اقتصادية عنيفة تُلحق بالمجتمع خسائرَ وأضرارًا فادحة. ويوصي المجمع المؤسسات المالية باتباع طرق التمويل المشروعة التي لا تتضمن الربا أو شبهته، ولا تُحدث آثارًا اقتصادية ضارة بعملائها أو بالاقتصاد العام كالمشاركات الشرعية ونحوها، والله وليُّ التوفيق. وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين ” انتهى من “مجلة المجمع الفقه الإسلامي” العدد 22 ص 229.

ونسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد. والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *