قبل أن يُتوفَّى بشهرين قال لأحد أولاده: مفروشات المنزل لك. وبعد الوفاة طالب الولد بجميع المفروشات، فهل يحقُّ له ذلك؟

الفتوى رقم: 1250 السؤال: والدي قبل أن يُتوفَّى بشهرين -وهو في عمر الثمانين- قال لأحد أولاده: مفروشات المنزل لك، وأنا مستعيرهم منك. وبعد الوفاة طالب الولد بجميع المفروشات، فهل يحقُّ له ذلك؟ علمًا أن مقولة الوالد كانت مجرَّد قولٍ أمام بعض الورثة وليس جميعهم، ولم يُكتب عقدٌ ولم يُنقل أيُّ أثاث من المنزل؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

إن كان ثمة نزاع بين الورثة، فالقاضي الشرعيُّ هو الذي يفصل في الأمر، وإن كان الورثة متفقين على الالتزام بالفتوى الصادرة، فالأصل أن هذه المفروشات ملك المتوفَّى -وهو الأب- ولها حكم التركة، ولا بد من بيِّنة على صحة كلامه: أن الأب وهب ابنَه هذا الأثاث، فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: “لو يُعطَى الناسُ بدعواهم، لادَّعى رجالٌ أموال قومٍ ودماءهم، لكن البيِّنة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر”. حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين. فلا يُحكَم لأحد بمجرَّد الدعوى، وعلى المدَّعِي إقامة البيِّنة، فإن عجز طُولب المدَّعَى عليه باليمين. كما قال الإمام النوويُّ -رحمه الله- في “شرح مسلم”(12/4).

وننبِّه على أنه يُشترط في صحة الهبة القبض، وهذا لم يحصل كما هو في السؤال، ويُشترط في الواهب -الأب- أن يكون رشيدًا أثناء هبته وإلا لم تصح الهبة -والرشد هو أن يُحسن التصرُّف في ماله- ويُشترط أيضًا أن يكون الواهب صحيحًا، يعني ليس في مرض الموت، قال ابن قدامة المقدسيُّ -رحمه الله-: “عطيَّته في مرض موته لبعض ورثته لا تنفذ؛ لأن العطايا في مرض الموت بمنزلة الوصية، في أنها تعتبر من الثلث إذا كانت لأجنبي إجماعًا، فكذلك لا تنفذ في حقِّ الوارث”. اهـ.

والوصية للوارث لا تنفذ إلا إذا أمضاها باقي الورثة وأقرُّوها فتكون عطية منهم لا من الميت، لقول النبيِّ ﷺ: “إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقِّ حقَّه، فلا وصية لوارث.” رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارقطني، وزاد: “إلا أن يُجِيزَ الورثة.”

وليعلم أن من البيِّنة: الشهود العُدول، قال الله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ) [سورة البقرة آية: 282]. ومن البيِّنة: إقرار المدَّعَى عليه، وهو -في الحقيقة- من أعظم الأدلة على صحة الدعوى، كما ذكر ذلك الفقهاء. يقول الإمام الماورديُّ الشافعيُّ -رحمه الله- في كتابه “الحاوي” (17/408): ” إذا كان الزوجان في دار يسكنانها، إما ملكًا لهما، أو لأحدهما، أو لغيرهما، فاختلفا في متاعها الذي فيها من آلة، وبُسط وفرش، ودراهم، ودنانير، وادعاه كلُّ واحد منهما لنفسه، أو ماتا، فاختلف فيه ورثتهما، أو مات أحدهما، فاختلف فيه الباقي وورثة الميت، أو كان ذلك في أخ، أو أخت، وكانا يسكنان دارًا، اختلفا في متاعها، فكلُّ ذلك سواء: فإن كان لأحدهما بيِّنة بملك ما ادَّعاه حُكِمَ بها، وإن عُدِمَا البيَّنة مع اختلافهما فيه فهما مشتركان في اليد حكمًا، ويدُ كلِّ واحد منهما على نصفه، فيتحالفان عليه، ويُجعل بينهما بعد أَيْمانهما نصفين، ويشتركان فيما يختصُّ بالرجال كالعمائم، والطيالسة، والأقبية.. وفيما يختص بالنساء كالحُلِّي، والمقانع، ومصبغات الثياب، وقُمص النساء، وفيما يصلح للرجال والنساء، من البسط، والفرش،..” انتهى.

بناء عليه: فلا تعتبر هذه هبة لعدم توافر شروط صحتها، ولا يملكها هذا الابن إلا ببيِّنة أنها له كما ذكرنا، وإلا كان لها حكم الوصية، وهي لا تنفذ إلا برضى الورثة كلِّهم.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *