هل التقويم الهجري سُنَّةٌ يؤجر مَن يطبِّقه؟ وهل يصحُّ اعتماد التقويم الميلادي؟

الفتوى رقم: 1202 السؤال: هل التقويم الهجري سُنَّةٌ يؤجر مَن يطبِّقه؟ وهل يصحُّ اعتماد التقويم الميلادي؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

لا شكَّ بأن التقويم القمري، ومن ثَمَّ الهجري أمر مطلوب -وقد يكون العمل به واجبًا وقد يكون مستحبًّا- ومرغوب شرعًا الاعتمادُ عليه في العقود والتأريخ؛ لما فيه من ربط المسلم بتاريخه، فضلًا عمَّا فيه من ربط بأحكام شرعية لها ارتباط وثيق بالتقويم القمري؛ كرمضان وعيد الفطر والحجِّ ويوم عرفةَ وعيد الأضحى والأشهر الحُرُم، وكذلك ما يتعلق بحَوْل الزكاة وأحكام عِدَّةِ المطلَّقة والمتوفَّى عنها زوجها، وكذلك سن البلوغ وغيرها من الأحكام، وقد ذكر الله تعالى الأشهر القمرية بالجملة فقال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [سورة التوبة آية:36]، وقال تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [سورة البقرة: من الآية:189]، فالله جعل الهلال علامةً على بداية الشهر ونهايته، فبطلوع الهلال يبدأ شهر وينتهي آخر فتكون الأهلَّة بمعنى المواقيت، وهذا يدلُّ على أن الشهر قمريٌّ؛ لارتباطه بالأهلَّة وهي منازل القمر.

روى البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما أن رسول الله ﷺ قال: “إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإنْ غُمَّ عليكم فاقْدُروا له”؛ فالرسول ﷺ جعل انتهاء شهر شعبان ودخول رمضان برؤية الهلال ويُقاس عليه بقية الأشهر.

التأريخ الهجري

ومعلوم أن الخليفة الثاني سيِّدَنا عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه وضع التأريخ الهجري القائم على الشهور القمرية، بمشورة ومشهد من الصحابة كلِّهم، وقد وافقوه عليه، فكان إجماعًا منهم رضوان الله تعالى عليهم، والإجماع حجة قاطعة، وهذا يدل على أنهم كانوا يستخدمون التقويم القمري، وأيضًا هذا التأريخ لم يكن لعباداتهم فقط بل لجميع أمور دنياهم ويجعلونه رمزًا إسلاميًّا، ولا يمكن الفصل بين التقويم القمريِّ والتأريخ الهجريِّ المرتبط به، والفصل بينهما مخالف لما أجمع عليه الصحابة، كما أنه يوقع في المحاذير المخِلَّة بالعبادات والمعاملات.

وبناء على ما تقدم فالتأريخ الهجري صار شعارًا للأُمَّة الإسلامية في مقابل شعارات الأمم المخالفة، وفيه أيضًا مخالفة للمشركين التي أمر بها الشرع، ومنها تميُّز هذه الأُمَّة عن غيرها.

وقال العلَّامة الفخر الرازيُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه: “التفسير الكبير” (16/53): “قال أهل العلم: الواجب على المسلمين -بحكم هذه الآية (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ…)– [سورة البقرة الآية:189] أن يعتبروا في بيوعهم ومُدَدِ ديونهم وأحوال زكاتهم وسائر أحكامهم بالأهلَّة، لا يجوز لهم اعتبار السنة العجميَّة والروميَّة”. انتهى. وذكر – رحمه الله – في “التفسير الكبير” (17/35-36): أن الشهور المعتبرة في الشريعة مبناها على رؤية الهلال، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمريَّة. انتهى بتصرف.

التقويم الشمسي

أما بالنسبة لاعتماد التقويم الشمسيِّ والتأريخ الميلادي أو الروميِّ أو النصرانيِّ فلا يخلو من كراهة ولا مانع من إلحاقه مع التقويم القمريِّ والتأريخ الهجريِّ.

بناء عليه: فإن العمل بالتقويم القمريِّ والتأريخ الهجريِّ لا غنى للمسلم عنه؛ لما له من ارتباط بأحكام شرعيَّة، وإن الأخذ بهما من هَدْيِ الإسلام، ولا شكَّ في أن العمل بهما فيه أجر.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *