آخذ من مال زوجي دون علمه لتسديد قرض عليه، فهل هذا جائز؟

الفتوى رقم: 1106 السؤال: زوجي عليه دَين وهو يماطل في دفعه، صحيح أنه لا يملك المبلغ، ولكن لو أنه رتَّب أولويات مدفوعاته ومشترياته لاستطاع دفعه منذ زمن طويل؛ لذلك لم أجد طريقة إلَّا أن آخذ منه مبلغًا يوميًا ولو بسيطًا وبالسرِّ، والآن أريد أن أعطيَه المبلغ ولكن عن طريق أهلي لكي يوفِّيَ دَيْنَه، وهو سيظن أن هذا المال من أهلي، وسيحاول إعادته عند استطاعته، علمًا أن أهلي أيضًا لهم عنده دَيْن.
أولًا: هل أخذ أموال من الزوج دون علمه لهذه النية وليس للتصرُّف فيه من دون علمه جائز؟
ثانيًا: هل إعطاؤه المال عن طريق أهلي غِشٌّ، لأني لا أريده أن يكشف أمري وعليه ديون أخرى، وأودُّ الادِّخار من أمواله لأجل إيفائها؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

أختي السائلة، كان يجب عليك أن تسألي قبل أن تأخذي المال؛ فما قمت به غير صحيح؛ فأنت مطلوب منك النُّصْح له؛ لذلك فعليك أن تصحِّحي خطأك، بأن تُرجِعي المال إليه، بالطريقة التي لا يحصل بها ضرر عليك، لكن لا بد من تذكيره بخطر الدَّين؛ لأنه “لزوم حَقٍّ في الذِّمَّة” كما في “الموسوعة الفقهية” (21/102)، فإن المــَدين أَسيرٌ، كما قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: “إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ”. رواه أبو داود. وقد أتت الشريعة الإسلامية بالتحذير منه، والترغيب في احتراز المسلم عنه، ما أمكنه ذلك؛ فعن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يدعو في الصلاة: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟! فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ -أي: استدان- حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ.” رواه البخاري ومسلم في صحيحَيْهما.

وروى النَّسائي في سننه عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الله بن جَحْشٍ رضي الله عنهما قَالَ: “كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَاذَا نُزِّلَ مِنَ التَّشْدِيدِ؟ فَسَكَتْنَا وَفَزِعْنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ سَأَلْتُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نُزِّلَ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَنَّ رَجُلا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، ثُمَّ أُحْيِيَ، ثُمَّ قُتِلَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ.”

وقد ترك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الصلاةَ على من مات وعليه ديناران، حتى تكفَّل بسدادهما أبو قتادة رضي الله عنه، فلما رآه من الغد وقال له: قد قضيتها، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: “الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ”. مسند أحمد، وحسَّنه الإمام النوويُّ رحمه الله تعالى في “الخلاصة.”، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في “فتح الباري” (4/547): “وفي هذا الحديث إشعار بصعوبة أمر الدَّيْن وأنه لا ينبغي تحمُّلُه إلا من ضرورة” انتهى.

وعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ: الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ” رواه الترمذي، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ”. رواه الترمذي، قال المباركفوري في “تحفة الأحوذي” (4/164): “قوله: “نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ” قال السيوطي: أي محبوسة عن مقامها الكريم. وقال العراقي: أي أمرها موقوف لا حكمَ لها بنجاة ولا هلاك حتى يُنظر هل يُقضى ما عليها من الدَّيْن أم لا” انتهى.

وقد جاء عن كثير من السلف التحذيرُ من الدَّيْن أيضًا: فعن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “إِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَرْبٌ” رواه مالك في الموطَّأ. وفي “مصَّنف عبد الرزاق”: قال ابن عمر رضي الله عنهما: “يا حُمْرَانُ! اتق الله ولا تَمُتْ وعليك دين، فيؤخذ من حسناتك؛ لا دينارَ ثَمَّ ولا درهم”.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *