حكم سفر المرأة مسافة القصر دون محرم ؟

فتوى رقم 5526 السؤال: ما حكم ذهاب امرأة للمشي في الطبيعة في لبنان مع مجموعة مختلطة ؟ علماً أنها مجموعة آمنة، لكن المسافة بالباص قد تكون أكثر من 90 كيلومتراً، فهل هذا سفر مُحرَّم؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق: بالنسبة للسؤال الأول: فقد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على :”أن سفر المرأة بدون مَحْرَم أو زوج لا يجوز، إلا ما استثناه بعض العلماء في حالات خاصة؛ لحديث البخاريِّ في صحيحه، أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “لا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ، فَقَالَ: اخْرُجْ مَعَهَا“، وحديثِ مسلمٍ في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: “لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَم“. يقول الإمام النوويُّ -رحمه الله- في شرحه للحديث: “فَالْحَاصِل أَنَّ كُلّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا تُنْهَى عَنْهُ الْمَرْأَة بِغَيْرِ زَوْج أَوْ مَحْرَم”. انتهى. وقد نقل الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ -رحمه الله- في كتابه “فتح الباري”(4/76) اتفاقَ الفقهاء على منع سفر المرأة بلا محرم، إلا في مسائلَ مستثناة، فقال: “قال البغويُّ: لم يختلفوا في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض (الحج الواجب) إلا مع زوج أو مَحْرَم، إلا كافرة أسلمَتْ في دار الحرب، أو أسيرة تخلَّصَتْ. وزاد غيره: أو امرأة انقطعت من الرِّفقة فوجدها رجلٌ مأمون، فإنه يجوز له أن يصحبَها حتى يبلِّغَها الرِّفقة”. انتهى.

وعليه: فلا يَحِلُّ سفر المرأة المسلمة من غير مَحرم، أو زوج.

وأما بالنسبة للسؤال الثاني: فالأصل المنع من المشاركة فيه لما في زماننا من شيوع الفساد وعدم توفُّر الشروط الشرعية المانعة من الفتنة، فإن غالب هذه الرحلات لا تتوفر فيها شروط الجواز والتي يُشترط لجوازها -كما قال العلَّامة يوسف القرضاويُّ -رحمه الله- في فتوى له منشورة على موقعه الإلكتروني- الشروط الأتية:

1- الالتزام بغضِّ البصر من الفريقين، فلا ينظر إلى عورة، ولا ينظر بشهوة، ولا يُطيل النظر في غير حاجة، قال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) ] سورة النور، الآيتان:30- 31 [

2- الالتزام من جانب المرأة باللباس الشرعي المحتشم: الذي يغطي البدن ما عدا الوجه والكفين، ولا يَشِفُّ ولا يَصِف، قال تعالى: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ) ]سورة النور الآية:31 [ وقد صحَّ عن عدد من الصحابة -رضي الله عنهم- أن ما ظهر من الزينة هو الوجه والكفَّان، وقال تعالى في تعليل الأمر بالاحتشام: (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) ]سورة الأحزاب الآية:59 [أي أن هذا الزيَّ يميز المرأة الحرة العفيفة الجادَّة من المرأة اللَّعوب المستهترة، فلا يتعرض أحد للعفيفة بأذى؛ لأن زيَّها وأدبها يفرضان على كلِّ مَن يراها احترامها.

3- الالتزام بأدب المسلمة في كلِّ شيء، وخصوصًا في التعامل مع الرجال:

أ- في الكـلام؛ بحـيث يكـون بعيدًا عن الإغـراء والإثارة، وقد قال تعالى: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفًا) ]سورة الأحزاب الآية:32[

ب- في المشي، كما قال تعالى: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) ]سورة النور الآية:31[ وأن تكـون كالتي وصفها الله بقوله: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء) ]سورة القصص الآية:25[

جـ- في الحـركة؛ فلا تتكسَّر ولا تتمايل، كأولئك اللائي وصفهن الحديث الشـريف بـ “المُمِيـلات المائـلات” ولا يـصدر عنهـا ما يجعلهـا من صنف المتبرِّجات تبرُّج الجاهلية الأولى، أو الجاهلية المعاصرة.

4ـ أن تتجنَّب كلَّ ما شأنه أن يُثير ويُغري من الروائح العطرية، وألوان الزينة التي ينبغي أن تكون للبيت لا للطريق، ولا للِّقاء مع الرجال.

5ـ الحذر من أن يختليَ الرجل بامرأة وليس معهما مَحْرَم؛ فقد نهت الأحاديثُ الصحيحة عن ذلك،:”إن ثالثهما الشيطان” إذ لا يجوز أن يُخَلَّى بين النار والحطب، خصـوصًا إذا كانت الخلـوة مع أحـد أقارب الـزوج، وفيه جـاء الحـديث: “إياكـم والدخـول على النسـاء”، قالـوا: يا رسـول الله، أرأيت الحَمْـو؟! قال: “الحمو الموت”! أي هو سبب الهلاك؛ لأنه قد يجلس ويطيل الجلوس، وفي هذا خطر شديد.

6ـ أن يكون اللقاء في حدود ما تدعو إليه الحاجة، وما يوجبه العمل المشترك دون إسراف أو توسُّع يُخرج المرأة عن فطرتها الأنثوية، أو يُعرِّضها للقيل والقال، أو يُعطِّلها عن واجبها المقدَّس في رعاية البيت وتربية الأجيال.انتهى

وعليه : فلا يَحِلُّ المشاركة في رحلة مختلطة بين الجنسين؛ لأن الشروط التي ذكرناها غير متوفرة، بل يصعب توفُّرها في الرحلات التي تقام في بلادنا إلا إذا كانت الجهة المنظِّمة ملتزمةً بالأحكام الشرعية. والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *