هل يجوز زرع أعضاء الحيوانات في جسم الإنسان؟
فتوى رقم 4590 السؤال: السلام عليكم، أستاذ في المدرسة يشرح لطلابه عن عملية زرع أعضاء حيوانات للإنسان (زرع قلب خنزير)، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
مسألة زرع أعضاء الحيوانات في جسم الإنسان مسألة قديمة ذكرها العلماء في كتبهم، ومعلوم أن الفقهاء كانوا يفترضون مسائلَ يمكن أن تقع، يقول الإمام النوويُّ الشافعيُّ -رحمه الله- في كتابه “المجموع” (3 /138): “إذَا انْكَسَرَ عَظْمُهُ -أي الإنسان- فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْبُرَهُ بِعَظْمٍ طَاهِرٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْبُرَهُ بِنَجِسٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى طَاهِرٍ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِنْ جَبَرَهُ بِنَجِسٍ نُظِرَ؛ إنْ كَانَ مُحْتَاجاً إلَى الْجَبْرِ وَلَمْ يَجِدْ طَاهِراً يَقُومُ مَقَامَهُ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ، أو وجد طَاهِراً يَقُومُ مَقَامَهُ أَثِمَ، وَوَجَبَ نَزْعُهُ، إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ تَلَفَ نَفْسِهِ، وَلَا تَلَفَ عُضْوٍ، وَلَا شَيْئاً مِنْ الْأَعْذَارِ المذكورةِ في التيمُّم، فإنْ لم يَفْعل أَجْبره السلطان، ولا تَصِحُّ صلاتُه معه، ولا يُعذَرُ بالألم الذي يجده إذا لم يخفْ منه، وسواء اكتسى العظمُ لحماً أم لا، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور؛ لأنها نجاسة أجنبية حصلت في غير معدنها … وفيه وَجْهٌ شاذٌّ ضعيفٌ أنَّه إذا اكتُسي اللحمُ لا يُنزع وإنْ لم يَخَفِ الهلاك، حكاهُ الرافعيُّ، ومالَ إليه إمام الحرمين والغزاليُّ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ ومالك، وإن خاف من النزع هلاكَ النَّفْسِ أو عضواً أو فَوَات منفعةِ عضوٍ، لم يجب النَّزْعُ على الصحيح”. انتهى.
فالأصل أن يكون العضو -الذي يُراد زرعُه في جسم الإنسان- طاهرًا، أي: مأخوذًا من حيوان طاهر بعد موته -وهذا يكون للحيوانات التي يَحِلُّ أكلُها- مثل الأنعام كالغنم والبقر والإبل- المذكَّاة ذكاةً شرعية، فهذا لا حرجَ فيه؛ لعموم الأدلة الـمُبيحة للتداوي بكلِّ مُباح. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: “تداوُوا، فإن الله لم يُنزل داءً إلا وقد أنزل له شفاء غير داءٍ واحد: الـهَـــرَم” رواه الترمذيُّ وأبو داودَ وابن ماجه في سُننهم، والنَّسائي في السُّنن الكبرى ، ولأبي داودَ: “إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكلِّ داء دواءً، فتداوُوا ولا تتداوَوا بحرام”.
وأما إن كان العضو -الذي يُراد زرعُه في جسم الإنسان مأخوذًا من ميتة- كالبقرة التي لم تُذبح ذبحاً شرعياً- أو حيوانٍ نَجِسِ العَيْنِ - كالخنزير- فإنَّ الأصل هو حُرمة الانتفاع به لنجاسته التي يوجب وضعُها في البدن عدمَ الطهارة وبطلانَ الصلاة ونحوِها من العبادات التي يُشترط لها الطهارة، فإن لم يجد المحتاجُ لزراعة العضو إلا عضوَ حيوانٍ نجس، ولم يجد ما يقوم مقامَه من الطاهر وقد دعت الحاجةُ إلى ذلك فلا حرجَ في زراعته. قال الله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) [سورة البقرة، الآية: 173]. ومما يُستدلُّ به أيضاً القاعدةُ الفقهية الـمُجمع عليها وهي: “الضرر يُزال” وقاعدة: “إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَراً بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا”.
وأما بالنسبة لضابط فَقْدِ العضو الطاهر، فقد قال الفقيه سليمان العجيليُّ الأزهريُّ الشافعيُّ -رحمه الله- في: “حاشيته على شرح المنهج” (1/417): “(قَوْلُهُ لِفَقْدِ الطَّاهِرِ) الْمُرَادُ بِفَقْدِهِ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُهُ مِمَّا جَوَّزَهُ فِيهِ.. فضَابِطُ الْفَقْدِ لَا يَبْعُدُ ضَبْطُهُ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً، … وعبارة البرماويِّ: وَيَنْبَغِي وُجُوبُ الطَّلَبِ عِنْدَ احْتِمَالِ وُجُودِهِ”. انتهى.
وعليه: فلا حرجَ في زرع عضو كقلب أو شريان ونحوه من حيوان نجس – كالميتة والخنزير ..- لمسلمٍ مع حاجته إليه وعدم وجود البديل الطاهر. والله تعالى أعلم.








