هل يمكن تفصيل حرمة الآلات الموسيقية وتسميتها مع ما يقاس عليها في عصرنا؟
الفتوى رقم 3048 السؤال: السلام عليكم، كلّنا يعلم أن بعض الآلات الموسيقية محرَّمة، ويقاس عليها آلات جديدة، فهل يمكن تفصيل حرمة هذه الآلات المحدَّدة وتسميتها مع ما يقاس عليها في عصرنا؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
المعتمد في المذاهب الفقهية الأربعة -الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة- وهو المنقول والمثبت في الكتب المعتمدة عندهم: أن المعازف منها ما هو حرام: وهي الآلات الوترية والنفخ، والقرع، والنقر كالكُوبة أي الدربكة. ومنها ما هو مباح: كالدُّف. قال الفقيه المحقِّق ابن حجر الهيتميُّ الشافعيُّ -رحمه الله- في كتابه ” كفُّ الرَّعاع عن محرَّمات اللهو والسماع” (ص: 118): “الأوتار والمعازف؛ كالطُّنْبُور والعُود والصَّنْج.. وغير ذلك من الآلات المشهورة عند أهل اللهو والسَّفاهة والفسوق، وهذه كلُّها محرَّمة بلا خِلاف، ومَن حكى فيه خلافًا فقد غلط أو غلب عليه هواه، حتى أصمَّه وأعماه، ومنعه هداه، وزلَّ به عن سنن تَقواه. وممَّن حكى الإجماعَ على تحريم ذلك كلِّه: الإمامُ أبو العباس القرطبي، وهو الثقة العدل، فإنَّه قال كما نقَلَه عن أئمَّتنا وأقرُّوه: أمَّا َالـمَزَامِير والكُوبَة –الدربكة- فلا يُختَلف فِي تحريم سماعها، ولم أسمعْ عن أحدٍ ممَّن يُعتَبر قولُه من السلف، وأئمَّة الخلف مَن يُبيح ذلك، وكيف لا يُحرَّم وهو شعار أهل الخمور والفسوق، ومهيِّج للشهوات والفساد والـمُجون، وما كان كذلك لم يُشَكَّ فِي تحريمه ولا فِي تفسيق فاعله وتأثيمه. وممَّن نقَل الإجماعَ على ذلك أيضًا إمامُ أصحابنا المتأخِّرين أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي، فإنَّه قال فِي “تقريبه” بعد أنْ أورد حديثًا فِي تحريم الكُوبَة، وفي حديث آخَر: أنَّ اللهَ يَغفِرُ لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة أو كُوبةٍ، والعَرطَبة: العُود، ومع هذا فإنَّه إجماع”. انتهى.
وممّن حكى الإجماع أيضاً: الفقيه المحدِّث أبو الحسين البغويُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه “شرح السنّة” (12/383) فإنه قال: “وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيم المزامير والملاهي وَالـمَعَازِف”. انتهى. وقال الفقيه الحنبلي ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه “المغني” (9/132): “آلَةُ اللَّهْوِ كَالطُّنْبُورِ، وَالـمِزْمَارِ، وَالشَّبَّابَةِ… آلَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ، بِالْإِجْمَاعِ”. انتهى. وقد وردتْ أحاديثُ في السُّنَّة النبويَّة تبيّن حرمة الاستماع إلى المعازف؛ منها: ما رواه البخاريُّ في صحيحه أن النبيّ ﷺ قال: “ليكونَنَّ من أمَّتي أقوامٌ يستحِلُّون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف”. ومنها: قول النبيّ ﷺ: “صوتان ملعونان: صوتُ مزمارٍ عند نعمة، وصوت ويل عند مصيبة”. حسَّنه الحافظ المقدسي في “المختارة”. وفي رواية عن أنسٍ بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: “صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمارٌ عند نعمة، ورَنَّة عند مصيبة”. قال الهيثميُّ في مجمع الزوائد: رواه البزَّار ورجاله ثقات.
ومنها: ما رواه أبو داودَ وأحمدُ وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله ﷺ قال: “إنّ الله حرَّم عليَّ أو حرَّم الخمْرَ والـمَيْسِر، والكوبة، وكلّ مسكر حرام”. وفي رواية: “إنّ الله حرَّم عليكم…”.
وأما بالنسبة لآلات اللهو المستحدَثة -كالبيانو والأورغ والغيتار…- والمعاصرة كآلات العزف الذاتي؛ وهي التي تعزف (تحدث الأصوات المطربة والإيقاع الموسيقي) بنفسها بشكل تلقائي (أوتوماتيك)؛ سواء كانت تعزف مباشرة لأول مرَّة أو بحفظها وتخزينها على الأسطوانات والأشرطة والأقراص ثم إعادة تشغيلها لغرض إحداث العزف أو سماعه. وحكم آلات اللهو المستحدثة هو حكم ما ذكرناه في المعازف الوترية، والنفخ، والنقر والقرع.
وأما آلآت العزف الذاتي فحكمها حكم ما يصدر منها، فإن كان صوت آلة محرَّمة فحرام؛ كصوت كوبة -دربكة مثلاً- وإلا فحلال؛ كصوت دُفّ مثلاً.
تنبيه: ذهب البعض إلى جواز استعمال المعازف حتى أدخلوها على الأناشيد، فقد أفتى بذلك قديماً الشيخ عبد الغني النابلسي -رحمه الله- في كتابه “إيضاح الدلالات في سماع الآلات” وقبله ابن حزم الظاهري -رحمه الله- ومن المعاصرين العلَّامة القرضاوي.
والله تعالى أعلم.








