هل يجوز بيع الدخان (السجائر)

فتوى رقم 5285 السؤال: تقدَّمت للعمل في سوبر ماركت كبيرة، وتمَّ قبولي في العمل، وعند ذهابي لاستلام العمل تفاجأت بتغيير موقع عملي من بيع الخضار إلى بيع السجائر؛ أبديت رفضي لهذا التغيير، لكنهم لم يقبلوا أن يوظفوني بهذه الوظيفة، فهل يجوز لي العمل لشهرين فقط لسداد الدَّيْن المترتب عليَّ للكلية ؟

 الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

بدايةً، فقد اتّفق العلماء في عصرنا -على حُرمة التدخين- لـمّا ثبت علمياً بالأدلة اليقينيّة ضررُه على صحة الإنسان، ويمكن مراجعة عشرات الدراسات والأبحاث الشرعية والطبّية، وأيضاً المجامع الفقهية؛ كمجمع بحوث الأزهر الشريف في مصر، ومجمع الفقه الإسلامي في جدّة، والمجمع الفقهي في مكة المكرمة، ولجنة الإفتاء لهيئة كبار العلماء في السعودية وغيرها. وأصبح من البديهيات العلمية عند الأطباء في العالم الأضرار والأمراض الخطيرة التي يسبّبها التدخين. والشرع الحنيف حرَّم كلَّ ما فيه ضرر على الإنسان، فقد قال الله تعالى: )وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ( [سورة الأعراف الآية: 157]. وقال ﷺ: “لا ضرَرَ ولا ضِرار”. رواه الإمام مالك في “الموطّأ”.ولا أظنّ أن ثمة عاقلًا يُجيز لنفسه شُرب الدخان بعدما ثبت علمياً لدى كافة الأطباء ضررُه، فضلاً عن الحكم الشرعي الذي أوضحناه. وقد اتفق الفقهاء على حرمة بيعه؛ لقول الله تعالى : (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ]سورة المائدة الآية:2[.  واعلم أن الدَّيْن المترتب عليك سداده إلى الكلية لا يدخل تحت مسمَّى الضرورة التي تُجيز لك العمل ببيع الدخان – السجائر- 

وعليه: فالواجب البحث عن عمل حلال، لا يتضمَّن أموراً محرَّمة. وننصح السائل بأن يبذل قُصارى جهده في البحث عن عمل حلال، وأن يتوجَّه بالدعاء إلى الله تعالى بأن يهيِّئ له عملاً حلالاً، فأَنْزِلْ حاجتَك بالله، واشكُ إليه حالَك، أسوةً بنبيِّ الله يعقوبَ بنِ إسحاقَ عليهما السلام؛ حيث قال الله عنه: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) ]سورة يوسف الآية:86]، فكشف الله غمَّه وردّ عليه ابنه، وكذلك حال أيوب لما مسَّه الضرُّ شكا إلى ربِّه فكشف عنه ضرَّه؛ حيث قال الله: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) ] سورة الأنبياء الآيتان:83-84[ فاستعِن بالله عزَّ وجلَّ على قضاء حوائجك وأكثِر من الاستغفار فهو من أسباب الرزق وفتح أبوابه، قال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) ]سورة نوح الآيات:10-11-12]. وروى أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، قال: “دخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يُقال له أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة! ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلِّمك كلاماً إذا أنت قلتَه أذْهَب الله عزَّ وجلَّ همَّك وقضى عنك دينك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهمَّ إني أعوذ بك من الهمِّ والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدَّين وقهر الرجال، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عزَّ وجلَّ همّي، وقضي عني  ديني”.وروى الترمذيُّ وحسَّنه، عن أبي وائل –شقيق ابن سلمةَ-، عن عليٍّ -رضيَ الله عنه-: “أنَّ مكَاتَباً -عبداً- جاءه فقال: إني قد عجزت عن كتابتي فأعنّي، قال: ألا أعلِّمك كلماتٍ علمنيهنّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، لو كان عليك مثل جبل ثَبِيرٍ –من أعظم جبال مكَّة- دَيْنًا أدّاه الله عنك؟ قال: قل: اللهمَّ اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمَّن سواك”. والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *