فتاوى الصيام: الصوم عن الميت، وتأخير القضاء للحامل والمرضع، وحكم من توفيت ولم تقضِ
فتوى رقم 5000 السؤال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
١. بالنسبة للصيام هل يجب قضاؤه عن الميت؟
2. في حال المرأة المرضعة والحامل والتي ولدت في رمضان وبقي عندها أيام لم تصمها وأدركها رمضان القادم، ما الحكم؟ هل تدفع كفارة وتقضي، أم ماذا؟
3. امرأة لم تصم رمضان بسبب الحمل وولدت في ١٠ رمضان، وبسبب حالتها الصحية توفيت قبل نهاية شوال هذا العام. ما الحكم؟ هل يصومون عنها، أم ماذا؟ جزاكم الله خيراً
الجواب وبالله تعالى التوفيق:
بالنسبة للسؤال الأول: وهو الصوم عن الميت. بداية فإنَّ مسألة هل يُصام عن الميت المسلم أم لا، مسألةٌ فيها تفصيل تبعاً لحالة الميت قبل وفاته. روى البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحَيْهما، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه”. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “جاء رجل إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صومُ شهرٍ، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيتَ لو كان على أمِّك دَين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدَين الله أحقُّ أن يُقضى” وفي رواية قال: “جاءت امرأة إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت: يا رسول الله إن أمِّي ماتت وعليها صوم أفأصوم عنها؟ قال: أرأيتِ لو كان على أمِّك دَين فقضيته، كان يؤدِّي ذلك عنها؟ قالت:نعم، قال: فصومي عن أمِّك“.متفق عليه. ونصَّ الإمام النوويُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه: “المجموع شرح المهذَّب”( 6/368و 369 )، قال: “قال أصحابنا”: مَن مات وعليه قضاء رمضانَ أو بعضِه فله حالان:
أحدهما: أن يكون معذوراً في تفويت الأداء ودام عذره إلى الموت؛ كمن اتصل مرضُه أو سفره، أو إغماؤه، أو حيضها، أو نفاسها، أو حملها، أو إرضاعها ونحو ذلك بالموت، لم يجب شيء على ورثته ولا في تركته، لا صيام ولا إطعام. وهذا لاخلاف فيه عندنا، ودليلُه ما ذكره المصنِّف من القياس على الحجِّ.
الحال الثاني: أن يتمكن من قضائه، سواء فاته بعذر، أم بغيره، ولا يقضيه حتى يموت ففيه قولان مشهوران:
أشهرهما وأصحُّهما عند المصنِّف والجمهور، وهو المنصوص في الجديد، أنه يجب في تركته لكلِّ يومٍ مُدٌّ من طعام، ولا يَصِحُّ صيام وليُّه عنه…
والثاني: وهو القديم، وهو الصحيح عند جماعة من محقِّقي أصحابنا، وهو المختار: أنه يجوز لوليِّه أن يصوم عنه، ويَصِحُّ ذلك ويجزئه عن الإطعام وتبرأ به ذمة الميت، ولكن لا يلزم الوليَّ الصومُ، بل هو إلى خيرته… إلى أن قال: “قلت: الصواب الجزمُ بجواز صوم الوليِّ عن الميت سواء صوم رمضان والنذر وغيره من الصوم الواجب، للأحاديث الصحيحة السابقة، ولا معارضَ لها، ويتعين أن يكون هذا مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، واتركوا قولي الـمُخالِف له. وقد صحَّت في المسألة أحاديثُ كما سبق. انتهى.
وملخَّص المسألة:
-إما أن يكون الميت معذوراً في تركه تأدية وقضاء الصوم، ودام عذره إلى الوفاة. فهذا لا يجب شيء على ورثته ولا في تركته، لا صيام ولا إطعام.
-وإما أن يتمكَّن من قضائه، ولكن فاته القضاء بعذر أو بغيره ولم يقضه حتى مات. فهذا يجوز لوليِّه -ولا يلزمه- أن يصوم عنه، ويَصِحُّ ذلك منه ويُجزئه عن الإطعام، وتبرأ به ذمة الميت، ويمكنه الإطعام عن كلِّ يوم مُدٌّ (600 غرام) من غالب قوت البلد؛ كالفول والعدس والأرز.
وعليه: فإن كان الميت المسلم المذكور معذوراً في تركه تأدية وقضاء الصوم، فلا يجب شيء على ورثته. وأما إن قَدِرَ على قضاء أيام الصوم إلا أنه فاته إلى أنْ أدركه الموت، فيجوز لوليِّه حينئذ القضاء عنه، أو الإطعام عنه عن كل يوم 600 غرام من غالب طعام أهل البلد كالعدس والأرُز والفول، ونحو ذلك.
وأما بالنسبة للسؤال الثاني : الحامل والمرضع هل يلزمها كفارة وتقضي. فقد رخصَّ الإسلام للمرأة الحامل والمرضع الفطرَ في شهر رمضان، حالة الخوف -على الجنين أو الرضيع، أو على نفسها- ويُعرف ذلك إما بالتجربة، وإما بإخبار طبيبٍ ثقة. ويجب عليها القضاء بعد زوال عذرها؛ لقول الله تعالى: (…أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ…) [سورةالبقرة الآية:184]. وروى أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رجل من بني كعب، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: “إنّ الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم -أو الصيام- واللهِ لقد قالهما رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أحدَهما أو كِلَيْهما”. رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن. وفي رواية للنَّسائيِّ في سننه، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: “إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ نِصْفَ الصَّلاةِ، وَالصَّوْمَ، وَعَنْ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ”. فجعل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حُكْمَ الحامل والمرضع -في الصوم- كالمسافر، والمسافر يُفطر ويقضي، فكذلك الحامل والمرضع. فلا تنوب الفدية عن القضاء باتفاق فقهاء المذاهب المعتبرة.
وعليه: فالقضاء واجب على الحامل والمرضع بعد زوال العذر، وجوبًا على التراخي، قبل مجيء رمضان آخر. وننبِّه إلى أنه قد يجب على الحامل او المرضع فدية، وذلك إن خافت على جنينها أو رضيعها فقط بمعنى أنها أفطرت خوفاً على الجنين أو الرضيع من حصول مكروهٍ أو ضرر له -والفدية هي مدٌّ يساوي (600 غرام) من غالب قوت البلد كالأرز والفول والعدس. أما لو خافت على نفسها فقط أو على نفسها وجنينها أو رضيعها فقد وجب القضاء فقط.
وأما بالنسبة للسؤال الثالث، فجوابه في السؤال الأول، وهو أنها لم تكن مستطيعة للصوم قبل الوفاة لبقاء العذر، واستمر عذرها إلى الوفاة، فلا يجب شيء على ورثتها. والله تعالى أعلم.








