من روائع الجهود التطوعية في مكة المكرمة

من أين أبدأ؟! فالتجارِب والمؤسسات والأشخاص تتزاحم صورها في مخيلتي! ١٠ أيام ملؤها الذكريات الطيبة! تختلط فيها الأخوة بالتنظيم، والتاريخ بالجغرافيا، والمعاناة بالأمل..

حَطَّتْ طائرتنا في جدة، وتوجهنا إلى بطحاء قريش. وبعد أداء العمرة انطلق برنامجنا؛ بين محاضرة، ولقاء حواري، وزيارة عالِم أو مؤسسة رائدة في التربية أو الدعوة أو خدمة المجتمع..

هدية الحاج والمعتمر

جمعية أهلية تأسست سنة ١٤٣٠هـ بـ ٣٥ متفرغاً ليصيروا ٧٠٠، ويبلغون في الموسم ٤ آلاف؛ ما عدا المتطوعين. مركزها مقابل الحرم المكي، وتصل خدماتها إلى المدينة المنورة ومطار الحجاج ومنافذ الدخول البرية والبحرية جميعها، تهدف إلى خدمة الحجاج والمعتمرين، وتحقيق راحتهم ما أمكن عبر برنامج: “غذاء الروح” و”غذاء الجسد”؛ مِن استقبالهم بالمطار بالبسمة والترحاب وماء زمزم، إلى إهدائهم المظلات الشمسية والمشروبات الساخنة وأكثر من ثلاثة ملايين وجبة طعام في موسم الحج.

تُوَجِّه المسترشدين، وتوزع ٣٥٠ ألف CD و١٧٠ ألف كتاب باللغات. وتزوِّد ٥٥ فندقاً بالكتب والمطبوعات.

وأطلقتْ تطبيق “المعَلِّم” مجاناً على الهواتف الذكية بـ٢٩ لغة؛ فاستفاد منه مليون شخص.

وتنظِّم مجالـس “مَقرَأة الفاتحة” لـ١٥٠ ألـف حاج وحـاجـة (كــل قــارئ على انفراد)، مع ٦٥٠ مُقرِئٍ ومُقرِئةٍ في مساجد مكة.

وتُفرِّغُ ٤١٢ مترجِماً يساعدون غير العرب بالتواصل المباشر أو عبر الشرطة والمؤسسات التي تربطها بالجمعية شراكة (لديها ٢٥ عقد شراكة وتعاون).

واستثماراً لوجود كبار الشخصيات العلمية والاجتماعية في الحرم تقيم معهم المقابلات.

وقد التفتوا إلى باب إنساني راقٍ؛ فنسَّقوا مع الحرمين لإقامة حضانات تُوْدَع فيها الأطفالُ الذين ضيعوا أهلهم مؤقتاً (٤ آلاف طفل سنوياً). وتجعل مع المرضى (الذين أُسعفوا إلى المشفى دون ذويهم) مَن يهتم بهم. كما تتيح كراسي التدليك الإلكتروني المجاني لكبار السن وللمصابين بالتشنجات.

أمَّا ماء زمزم فالجمعية أتاحت للحجاج والمعتمرين ٩ ملايين عبوة ماء مغلَّفة للسفر على مدخل المطار بسعر التكلفة… ونفَّذت 95 ألفاً من الذبائح بالوكالة ووزعتها على فقراء مكة.

وقد بلغت ميزانيتها (٦٦ مليون دولار) ٢٥٠ مليون ريال؛ معظمها من التبرعات الأهلية، من ريال واحد فصاعداً.

شباب مكة

لاحظتُ شاباً في العشرين يجر عربةَ عجوز في الثمانين بعناية ولطف، يرتدي قميصاً مكتوباً عليه “شباب مكة” فإذا هي جمعية أخرى تخدم ضيوف الرحمن، وينضم إليها ٣ آلاف شاب! مِن المتطوعين بجهودهم.

جمعية المَودّة

تهتم بإعداد الشباب والشابات بدورات اختيار شريك الحياة، والتعامل الأُسري من مختلف الجوانب. كما لديها خطوط هاتفية للاستشارات، يجيب ١٤٠ مستشاراً ومستشارة على ٣٠ ألف متصل سنوياً! وتصدر ٢٠ بحثاً سنوياً. استفادت منها ٢٨٣ ألف أسرة. وأخبرونا بوجود “جمعية الزواج” التي تتولى جانب الخدمات المادية بتنظيم الأعراس الجماعية المجانية وغير ذلك…

مُجتمع القِيم النبوية

برنامج مبشِّر حدَّثنا عنه مؤسسه الأستاذ حسن الفيلالي، فبَعد تقاعده مِن وزارة التربية ركَّز جهوده على “مؤسسة بناء القيم” مع فريق من المتخصصين لعلاج معضلة الفِصام بين معرفتنا بالقيم الفاضلة وبين سلوكنا البعيد عنها في كثير من الأحيان، فحدَّدوا ١٢ قيمة جامعة، وأنتجوا لِسِتٍّ منها حقائب فيها برنامج رديف لمنهج المدرسة؛ من نشاطات وقصص ومنتجات فيديو قصير… وقد ظهرت نتائج باهرة على الطلاب الذين طُبِّق عليهم.

معهد الإمام الشاطبي للقرآن الكريم

مؤسسة رائدة، أطلقت دبلومات مجانية عن بُعد في مجال القرآن وعلومه والقراءات؛ كان آخرها دبلوم إدارة المؤسسات القرآنية.. إلى غيرها من الخدمات الراقية العملاقة التي يقدِّمها المعهد والمؤسسات المشابهة؛ مثل: جمعية خيركم، والهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم وقناتها الفضائية “أهل القرآن”.

المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات

له عشرات الفروع في المملكة وخدمات متنوعة جداً؛ مِن تعريف غير المسلمين بالإسلام باللغات، إلى إقامة برامج ودورات “تأهيل الدعاة”، وإطلاق الطاقات بالوسائل التقليدية والحديثة مثل “دعوة تك” للراغبين في خدمة الدِّين بالتكنولوجيا… و”مشروع رحماء” لإغاثة المشوشين فكرياً؛ ببيان الحق وكشف الشبهات لعلهم يهتدون.

رافد

مؤسسة استشارية للراغبين في إيقاف الأوقاف في سبيل الله. وتقيم الدورات لنُظَّار الأوقاف.

عَين زُبَيدة

هي قناة أجرتِ الماء فيها زبيدةُ زوجة هارون الرشيد من جهة الطائف إلى جوار عَرَفة لسقاية الحجاج، وعليها اليوم معمل ماء وقْفِيٌّ، وتوزَّع القوارير مجاناً. وبالحرم أوقاف أخرى لتوزيع الماء.

قصة مكتبة المسجد الحرام

زُرتها للتعرف إليها؛ فإذا الأستاذ خالد الخالدي يقدِّم دورة لعشرات العاملين في الحرم حول “القيادة الإيجابية” وشَرَفِ خدمة ضيوف الرحمن والتلطفِ في معاملتهم.

لقاء العلماء والمؤلفين

تضيق المقالة عن تفصيل أسمائهم والفوائد التي اكتسبناها، لكن السِّمَة العامة كانت: التواضع، والأسلوب الإبداعي، والتركيز على المتفق عليه للتعاون وجمع صف المسلمين، واهتمامهم بالعالم الإسلامي وبلبنان خصوصاً، واستثمار الممكن وتخطي العقبات والسعي للتطور والبحث عن مصادر لتمويل المشاريع الطموحة، وتحوُّل المتقاعدين إلى خدمة الدعوة، وعقد الشراكات، والتخطيط والتقويم، ومشاركة المرأة في المؤسسات والإصلاح…

وحتى تتأكد الرعاية التامة من هذه المؤسسات للإنسان من قبل الولادة إلى ما بعد الوفاة؛ كانت زيارة:

مغسلة الأموات الخيرية

وقفية بجامع المهاجرين في مكة، تؤدي فرضَ الكفاية بتجهيز الأموات مجاناً، أقاموا لنا دورة في غسل وتكفين الميت، زوَّدتنا بفائدة عملية، واستشعرنا كرامة الإنسان في الإسلام. فيها ٦٠ موظفاً، ولها عشرات السيارات، تغسل يومياً قرابة ١٢ متوفًّى، وفي موسم الحج ٨٠.

ولضيق أوقاتنا فاتتنا زيارة عدة نماذج رائدة؛ مثل: مسجد الراجحي بمكة (وما أدراك مَن سليمان الراجحي!) ويُبنى حول المسجد ٩٠ برجاً لتكون وقفاً على نشاطه! وجمعية كفى للتوعية بأضرار التدخين والمخدرات، ومكتب الرقية الشرعية…

فجزى الله خيراً القائمين على هذه المؤسسات، وكل مَن أتاح لنا التعرف إلى إشراقة الأمل هذه، وجمعيةَ الاتحاد الإسلامي التي انتدبتني، وحازت جهودها وإنجازاتها إعجاب الذين أطلعتهم عليها.

بقلم: الشيخ يوسف القادري

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *