التبرع بكِلية من إنسان حيّ إلى آخر

الفتوى رقم 3829  السؤال: السلام عليكم، ما حكم التبرع بكِلْيةٍ من إنسان حيٍّ إلى آخر؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

فإن التبرُّع بالأعضاء وزراعتها بات أمرًا واقعًا أتاحه التقدُّم العلميُّ والطبِّي، وقد ثبت لذلك –واقعًا- نتائجُ إيجابيةٌ أسهمت في شفاء مرضى، وإنقاذ حياة آخرين؛ ومن ذلك نقل عضو من جسم إنسان حيٍّ إلى جسم إنسان آخر.

 وقد ذهب أكثر العلماء المعاصرين، وكذلك المجامع الفقهية، وهيئات الفتوى في بلاد العالم الإسلامي إلى جواز ذلك، ومن أدلّتهم في ذلك: إعمال قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، المستنبطة من قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) [سورة البقرة الآية: 173]، وبقول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) [سورة المائدة الآية: 32]، وبقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: “من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه” رواه مسلم، وقد أجاز هؤلاء ذلك التبرُّع بشرط تحقُّق ضوابط لذلك؛ منها:

–      أن لا يكون العضو المتبرَّع به مما لا نظيرَ له في جسم الإنسان، يعمل عمله؛ كالقلب والكبد ونحوهما، ما يؤدّي إلى إهلاك المتبرِّع.

–      أن لا يكون العضو المتبرَّع به يعطِّل وظيفة أساسية في حياة المتبرِّع، وإن لم تتوقَّف سلامة أصل الحياة عليه؛ كنقل قرنيَّة العينين كِلْتَيْهما.

–      أن لا يترتب على نقل العضو المتبرَّع به حَمْلُ صفات وراثية، كالتبرُّع بخِصْية، فيؤدي ذلك إلى اختلاط في الأنساب.

–      أن يكون ثمة حاجةٌ مُلِحَّةٌ إلى نقل هذا العضو إلى المتبرَّع له، وهذا مما يقرِّره أطباء متخصِّصون.

–      أن يغلب على ظنِّ أهل الاختصاص احتمالُ نجاح عملية الزرع بنسبة عالية، وتحقُّق شفاء المريض بذلك.

–      أن لا توجد وسيلة طبية ناجعة أخرى تقوم مقام عملية الزرع.

بناء عليه: فإن التبرُّع بكلية من إنسان حيٍّ لآخر، أمر جائز، إعمالًا لمقاصد الشريعة، وتحقيقًا للمصلحة ما أمكن، لكن ذلك الجواز منوط بتحقُّق الضوابط المتقدِّمة الذِّكر، فإنْ تحقَّقت جميعُها جاز، وإلَّا فلا.

تنبيه: لو اشترط المتبرِّع مالًا على المستفيد لم يَجُزْ ذلك؛ لكونه منافيًا لمبدأ تحقُّق الكرامة الإنسانية، والله تعالى يقول: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [سورة الإسراء الآية: 70]، فكأنَّ المتبرِّع يبيع أعضاءه، وهو لا يملكها أصلًا، كما أن ذلك ينتافى مع التبرُّع بقصد التراحم والنفع.

كما يُلحظ أنّ التبرُّع بقصد التراحُم هو من أعظم التصدُّق، بل هو آكد من التصدّق بالمال؛ لما فيه من الإحسان بالتسبُّب بإحياء النَّفس. والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *