حكم القراءة في المصحف المخصَّص لغير الناطقين باللغة العربية

الفتوى رقم 3530 السؤال: السلام عليكم، ما حكم القراءة في المصحف المخصَّص لغير الناطقين باللغة العربية؟ وهل يؤجر على التلاوة به، وهل يُتعبَّد بالتلاوة فيه؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

إذا كان المقصود من السؤال هو قراءة ترجمة القرآن الكريم بأي لغة كانت، فإن هذه الترجمة سواء كانت ترجمة حرفية أو ترجمة معانٍ فهي ليست قرآنًا، بل هي تفسير للقرآن الكريم بلغة غير عربية فلا تُؤجر عليه كما تُؤجر على تلاوة القرآن الكريم، وهذا ما اتفق عليه أهل العلم قديمًا وحديثاً، ولذلك فلا يُعَدُّ ذلك ترجمة بل تفسيرًا بلغة فرنسية أو إنكليزية أو غيرها من اللغات.

وأما إذا كان المقصود هو القراءة من المصحف الذي كتب بلغة أخرى غير العربية لكن النطق هو بالعربية، فنعم يُؤجر عليه؛ لأنه ينطق بالآيات القرآنية، مع التنبيه على وجوب الالتزام بالنطق الذي لا يخلّ بالمعنى؛ لأنَّ ثمة صعوبة في هذه الحالة في الالتزام بالنصِّ القرآني.

تنبيه: كتابة القرآن بغير العربية لا يجوز؛ لأن النصَّ القرآني لا يُكتب إلا باللغة العربية وبالرسم العثماني الذي أجمع المسلمون عليه. قال الإمام السيوطيُّ -رحمه الله- في كتابه “الإتقان في علوم القرآن” (1/250): “أجمعوا على لزوم اتباع رسم المصاحف العثمانية في الوقف إبدالًا وإثباتًا وحذفًا ووصلًا وقطعًا”. انتهى. وقد صدر قرار رقم 31 (2/8) عن “المجمع الفقهي الإسلامي” التابع لرابطة العالم الإسلامي نصُّه ما يلي:

“الحمد لله وحدَه، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعدَه، سيّدنا ونبيّنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإنّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، قد اطَّلع على خطاب الشيخ هاشم وهبة عبد العال، من جدة، الذي ذكر فيه موضوع (تغيير رسم المصحف العثماني إلى الرسم الإملائي). وبعد مناقشة هذا الموضوع من قِبل المجلس، واستعراض قرار هيئة كبار العلماء بالرياض رقم (17) وتأريخ 21/10/1399هـ. الصادر في هذا الشأن، وما جاء فيه من ذكر الأسباب المقتضية بقاء كتابة المصحف بالرسم العثماني، وهي:

1- ثبت أن كتابة المصحف بالرسم العثماني، كانت في عهد عثمان، رضي الله عنه، وأنه أمر كَتَبَة المصحف أن يكتبوه على رسم معيَّن، ووافقه الصحابة، وتابعهم التابعون، ومَن بعدهم إلى عصرنا هذا، وثبت أن النبيَّ ﷺ قال: “عَلَيكُم بِسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدين المَهْدِيِّين مِن بَعْدِي”. فالمحافظة على كتابة المصحف بهذا الرسم هو المتعيِّن، اقتداءً بعثمانَ وعليٍّ وسائر الصحابة، وعملاً بإجماعهم.

2- إن العدول عن الرسم العثماني إلى الرسم الإملائي الموجود حاليًّا، بقصد تسهيل القراءة يُفضي إلى تغيير آخر إذا تغيَّر الاصطلاح في الكتابة؛ لأن الرسم الإملائي نوع من الاصطلاح قابل للتغيير باصطلاح آخر. وقد يؤدي ذلك إلى تحريف القرآن، بتبديل بعض الحروف، أو زيادتها، أو نقصها، فيقع الاختلاف بين المصاحف على مرِّ السنين، ويجد أعداء الإسلام مجالاً للطعن في القرآن الكريم، وقد جاء الإسلام بسدِّ ذرائع الشر، ومنع أسباب الفتن.

3- ما يُخشى من أنه إذا لم يُلتزَم الرسم العثماني في كتابة القرآن، أن يصير كتابُ الله ألعوبةً بأيدي الناس، كلما عنَّت لإنسان فكرة في كتابته، اقترح تطبيقها، فيقترح بعضهم كتابته باللاتينية أو غيرها، وفي هذا ما فيه من الخطر، ودرء المفاسد أَوْلى من جلب المصالح.

وبعد اطّلاع مجلس المجمع الفقهي الإسلامي على ذلك كلِّه، قرَّر بالإجماع: تأييد ما جاء في قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، من عدم جواز تغيير رسم المصحف العثماني، ووجوب بقاء رسم المصحف العثماني على ما هو عليه؛ ليكون حجة خالدة على عدم تسرُّب أي تغيير أو تحريف في النصِّ القرآني، واتباعًا لما كان عليه الصحابة، وأئمة السلف -رضوان الله عليهم أجمعين- أما الحاجة إلى تعليم القرآن، وتسهيل قراءته على الناشئة التي اعتادت الرسم الإملائي الدارج، فإنها تتحقَّق عن طريق تلقين المعلِّمين؛ إذ لا يستغني تعليم القرآن في جميع الأحوال عن معلِّم، فهو يتولَّى تعليم الناشئين، قراءة الكلمات التي يختلف رسمها في المصحف العثماني، عن رسمها في قواعد الإملاء الدارجة، ولا سيما إذا لوحظ أن تلك الكلمات عددها قليل، وتكرار ورودها في القرآن كثير، ككلمة (الصلوة) و(السموات) ونحوهما، فمتى تعلَّم الناشئ الكلمة بالرسم العثماني، سَهُلَ عليه قراءتُها كلَّما تكرَّرت في المصحف، كما يجري مثل ذلك تمامًا في رسم كلمة (هذا) و(ذلك) في قواعد الإملاء الدارجة أيضًا. والله وليُّ التوفيق. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد النبيِّ الأمِّي، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *