هل يرى الميت مَن مات قبله مِن أقاربه أو أصحابه؟

الفتوى رقم 2295 السؤال: السلام عليكم، هل يرى الميت مَن مات قبله مِن أقاربه أو أصحابه؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

فإنّ الميت المسلم يلتقي بالأموات المسلمين، بل ويتزاورون؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله ﷺ قال: “إذا كَفَّن أحدُكم أخاه فليُحْسن كَفَنه إن استطاع”. وجاء في روايةٍ أخرى عن جابر رضي الله عنه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: “أَحْسِنوا أكفان موتاكم، فإنهم يتباهَوْن ويتزاورون في قبورهم”. ذكره الإمام القرطبيّ -رحمه الله تعالى- في كتابه “التذكرة في أحوال الموتى والآخرة” (1/96). وقد جعل عنواناً، فقال: “باب ما جاء في تزاور الأموات في قبورهم واستحسان الكفن لذلك”. انتهى.

وروى النَّسائيُّ في سُنَنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنْ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدُمُ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا. فَإِذَا قَالَ: قد مات أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ -كساء من شعر- فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ فَيَقُولُونَ مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ”. الشاهد في الحديث قوله ﷺ: “فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدُمُ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُونَه: مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ؟”.

وقد ُسئل العلَّامة ابن قيِّم الجوزية الحنبليُّ -رحمه الله تعالى- عن ذلك، فأجاب في كتابه “الروح” (ص 17، 18): “المسألة الثانية وهي أن أرواح الموتى، هل تتلاقى وتتزاور وتتذاكر أم لا؟ وهي أيضاً مسألة شريفة كبيرة القَدْر، وجوابُها: أن الأرواح قسمان: أرواح معذَّبة، وأرواح منعَّمة؛ فالمعذَّبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، والأرواح المنعَّمة المُرسَلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا، فتكون كلُّ روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها، وروح نبيِّنا محمَّد ﷺ في الرفيق الأعلى، قال الله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) [سورة النساء الآية: 69]. وهذه المعيَّة ثابتة في الدنيا، وفي دار البرزخ، وفي دار الجزاء، و“المرء مع من أحبّ” في هذه الدُّور الثلاثة، وقال تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) [سورة الفجر الآيات: 27-30]، أي: ادخلي جُملتَهم وكوني معهم، وهذا يُقال للرُّوح عند الموت… وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن الشهداء بأنهم (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وأنهم (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِم) وأنهم (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ)، وهذا يدلُّ على تلاقيهم من ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم عند ربِّهم يرزقون، وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون، الثاني: أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم ولقائهم لهم، الثالث: أن لفظ (يستبشرون) يفيد في اللغة أنهم يبشِّر بعضهم بعضاً مثل يتباشرون”. انتهى.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *