صلاة الجمعة: هل يَحْرُم الكلام عندها؟ ومتى تبدأ هذه الحرمة؟
الفتوى رقم 2103 السؤال: السلام عليكم ورحمة الله، أسأل عن صلاة الجمعة: هل يَحْرُم الكلام عندها؟ ومتى تبدأ هذه الحرمة؟ ومتى يصبح على الشخص أن يصلِّي الظهر بدلاً من الجمعة؟ وهل ينطبق هذا المنع من الكلام عند الذهاب للمسجد لكلِّ صلاة؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
أولاً: بالنسبة للكلام أثناء الجمعة، لا خلاف بين الفقهاء أن المنهيَّ عنه من الكلام يوم الجمعة إنما هو من حين صعود الخطيب على المنبر إلى الفراغ من الخطبة؛ لحديث أبي هريرة أنّ النبيَّ ﷺ قال: “إذا قلتَ لصاحبك -والإمام يخطب يوم الجمعة-: أنصت، فقد لغَوْت”. رواه البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما. ولحديث أبي الدرداء، قال: “جلس النبيُّ ﷺ على المنبر وخطب الناسَ وتلا آية وإلى جنبي أُبيّ بن كعب فقلت له: يا أُبيّ متى أنزلت هذه الآية؟ فأبى أن يكلِّمني، ثم سألته فأبى أن يكلِّمني حتى نزل رسول الله ﷺ فقال لي أبيٌّ: مالك من جمعتك إلا ما لَغَوْت، فلما انصرف رسولُ الله ﷺ جئتُه فأخبرته فقال: صدق أُبيّ، إذا سمعت إمامَك يتكلَّم فأَنْصِتْ حتى يَفْرُغ”. رواه أحمدُ في مسنده وابن ماجه في سننه.
حكم الاستماع والإنصات للخُطبة
وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستماع والإنصات للخُطبة، فذهب جمهور الفقهاء -الحنفية، والمالكية، والحنابلة- إلى وجوب الاستماع والإنصات، حتى قال الحنفية: كلُّ ما حَرُمَ في الصلاة حَرُمَ في الخطبة، فيَحْرُمُ أكل، وشرب، وكلام، ولو تسبيحاً، أو ردَّ سلام، أو أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر،… ولم يستثن الحنفية والحنابلة من ذلك إلا تحذير مَنْ خِيف هلاكه، لأنه يجب لِحَقِّ آدمي، وهو محتاج إليه، أما الإنصات فهو لِحَقِّ الله تعالى، وحقوق الله تعالى مبنيّة على المسامحة. واستثنى المالكية أيضاً: الذِّكْرَ الخفيف إن كان له سبب، كالتهليل، والتحميد، والاستغفار، والتعوُّذ، والصلاة على النبيِّ ﷺ، لكنهم اختلفوا في وجوب الإسرار بهذه الأذكار الخفيفة. وذهب الشافعية إلى أن الاستماع والإنصات أثناء الخطبة سُنَّة، ولا يحرم الكلام، بل يُكره،.. وإنْ عَرَضَ له عارِضٌ كتعليمِ خير، ونهيٍ عن منكر، وإنذار إنسان عقرباً، أو أعمًى بئراً لم يمنع من الكلام، لكن يستحبّ أن يقتصر على الإشارة إنْ أَغْنَتْ، ويُباح له -أي الكلام- بلا كراهة. ويُباح الكلام عند الشافعية للداخل في أثناء الخطبة ما لم يجلس، كما صرَّحوا بأنه لو سلَّم داخل على مستمع الخطبة وهو يخطب، وجب الردُّ عليه؛ بناء على أن الإنصات سُنَّة، ويستحب تشميت العاطس إذا حمد الله، لعموم الأدلة، وإنما لم يُكره كسائر الكلام لأن سببه قهري. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن للبعيد الذي لا يسمع صوت الخطيب أن يقرأ القرآن، ويذكر الله تعالى، ويصلِّي على النبيِّ ﷺ من غير أن يرفع صوته، لأنه إن رفع صوته منع مَن هو أقرب منه من الاستماع. انتهى ملخَّصاً من الموسوعة الفقهية (19/179-180) و(27/204-205).
تأدية الظهر بدلاً من الجمعة
أما بالنسبة لتأدية الظهر بدلاً من الجمعة؟ فالجواب: إذا فاتت المقيمَ صلاةُ الجمعة بحيث لم يدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فقد فاتت بخلاف ما لو أدرك ركعة. ويدركها قبل الرفع من الركوع في الركعة الأولى أو الثانية وهذا مذهب أكثر الفقهاء؛ لحديث النبيِّ ﷺ قال: “من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة” رواه البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما. وحديث النَّسائيِّ في سننه عن عبد الله بن عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: “من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فليُضِف إليها أخرى وقد تمّت صلاته”. أما بالنسبة لشمول هذا الحكم كلّ الصلوات؟ فهذا خاصٌّ بخطبة الجمعة فقط كما نصَّ على ذلك الإمام النوويُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه “المجموع”: “ويستحب للناس استماع الخطبة -أي العيدين-، وليست الخطبة ولا استماعها شرطاً لصحة صلاة العيد، لكن قال الشافعي: لو ترك استماع خطبة العيد أو الكسوف أو الاستسقاء أو خطب الحجّ أو تكلَّم فيها أو انصرف وتركها كرهته، ولا إعادة عليه”. انتهى.
والله تعالى أعلم.








