فرنسية مهتدية حديثًا، وهي لا تجد عملًا بسبب ارتدائها الحجاب، هل ممكن أن لا تضع الحجاب؟

الفتوى رقم 2076 السؤال: أخت تسأل عن فرنسية مهتدية حديثًا، وهي لا تجد عملًا بسبب ارتدائها الحجاب، وهي بحاجة للعمل لتعيش وتدفع ثمن احتياجاتها الأساسية، فماذا تفعل؟ هل ممكن أن لا تضع الحجاب؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

معلوم في عقيدة المسلم أن الله تعالى هو الرزَّاق، وليس للعبد إلا سعيه، فطاعة الله تعالى مقدَّمة على عصيانه، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، نصيحتنا لها أن تبحث عن عمل آخر؛ فقد ورد في الحديث الصحيح أن النبيَّ ﷺ قال: “إنك لن تَدَعَ شيئًا لله عزَّ وجلَّ إلا بدَّلك الله به ما هو خير لك منه”. رواه الإمام أحمدُ في مسنده.

قال العلَّامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه: “الفوائد” ص107: “وقوله: “من ترك لله شيئًا عوَّضه الله خيرًا منه” حقٌّ، والعِوَضُ أنواع مختلفة؛ وأجلُّ ما يعوَّض به: الأُنس بالله ومحبَّته، وطمأنينة القلب به، وقوته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربِّه تعالى”. انتهى.

ومن أمثلة العوض في الدنيا، ما ذكره ابن القيم في كتابه: “روضة المحبِّين” ص445: “لما عقر سليمانُ بن داودَ عليهم السلام الخيلَ التي شغلَتْه عن صلاة العصر، حتى غابت الشمس: سخَّر الله له الريح يسير على متنها حيث أراد. ولما ترك المهاجرون ديارهم لله، وأوطانهم التي هي أحب شيء إليهم: عوَّضهم الله أنْ فتح عليهم الدنيا، وملَّكهم شرق الأرض وغربها.. قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ) [سورة الطلاق الآية: 3]؛ فأخبر الله -سبحانه وتعالى- أنه إذا اتقاه، بترك أخذِ ما لا يَحِلُّ له، رزقه الله من حيث لا يحتسب”. انتهى.

وقد قال الحافظُ ابن حجر العسقلانيُّ -رحمه الله تعالى- في “فتح الباري” (6/14): “قال ابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا: لا يساوي ذرَّة مما في الجنة”. انتهى.

وقال السِّندي -رحمه الله تعالى- في حاشيته على ابن ماجه (1/356): “ذَرَّةٌ مِنَ الآخرة خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا”. انتهى.

وقد جاءت بعض الأحاديث فيها النصُّ على الجزاء الأخروي لمن ترك شيئًا لله عزَّ وجلّ. روى الترمذي في سننه عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ: دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإِيمَانِ -حُلَلِ الْجَنَّةِ- شَاءَ يَلْبَسُهَا”. وروى الإمام أحمدُ في مسنده، وأبو داودَ والترمذيُّ وابن ماجه في سننهم عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ: دَعَاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ.” وروى البخاريُّ في صحيحه: “أن عبد الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ يَوْمًا بِطَعَامِهِ فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ -أَوْ رَجُلٌ آخَرُ- خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي”، وفي رواية للبخاريّ: “وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ”. فما دام العبد قد ترك شيئًا مما نهاه الله عنه لا يتركه إلا لوجه الله عزَّ وجلَّ فالعوض له محقَّق، وهذا وعد من الله، ولن يُخْلِفَ اللهُ وعدَه.

ولتعلم أن الرزق والعطاء -سواء ابتداءً، أو جزاءً- معلَّق بمشيئة الله جلَّ جلاله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) [الإسراء الآيات: 18-20]. فعن أبي أُمَامةَ رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: “نفث رُوح القدس في رُوْعِي: أن نفسًا لن تخرجَ من الدنيا حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها؛ فأَجْمِلُوا في الطلب، ولا يحملنَّكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإن الله لا يُنال ما عنده إلا بطاعته”. رواه الطبرانيُّ في “المعجم الكبير”.

وننبِّه الأخت السائلة قبل الإجابة المباشرة عن حكم خلعها لغطاء الرأس لأجل العمل، أن نسأل -بدورنا- عن حكم تقاعس المسلمين المحطين بها، عن الوقوف إلى جانب هذه المرأة المسلمة الفرنسية ومدِّ يد العون لها، وتوفير عمل يليق بها، مع الإشارة إلى أنها من مصارف الزكاة (المؤلَّفة قلوبهم) الواردة في آية مصارف الزكاة (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة التوبة الآية: 60]؛ فيجب على المسلمين أن يقفوا إلى جانب هذه الأخت حتى لا تُفتن في دينها، فإن تقاعسوا عن واجبهم ذاك، وخشيت ضرر العوز، جاز لها -في هذه الحال- أن تكشف عن رأسها فقط، وذلك من باب الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدَّر بقَدْرِها، وإلَّا بأنْ قام المسلمون بواجبهم تجاهها حَرُمَ عليها كشف رأسها.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *