أرجو إرسال الدعاء بعد الوضيمة؟
الفتوى رقم 2045 السؤال: أرجو إرسال الدعاء بعد الوضيمة؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
اعلم -أخي السائل- أنه ليس ثمّة دعاء خاص بطعام الوضيمة؛ وهو الطعام الذي يُصنع عند مصيبة الوفاة.
واعلم أنّ السُّنَّة أن يبادر الجيران والأقارب والأصدقاء بصنع الطعام وإهدائه لأهل الميت وليس العكس؛ لما ثبت عن النبيِّ ﷺ أنه لـمَّا بلغه موت ابن عمِّه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في غزوة مؤتة، قال: “اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ”. رواه الترمذيُّ، وأبو داودَ، وابن ماجه في سُنَنِهم.
وكره جمهور العلماء -أكثرهم- لأهل الميت أن يصنعوا طعامًا لتقديمه للناس المعزِّين، سواء كان ذلك يوم الوفاة أو في اليوم الثالث أو العاشر أو الأربعين أو على رأس السنة، فكلُّ ذلك مذموم. قال الفقيه الحنفي ابن الهمام -رحمه الله- في كتابه “فتح القدير” (2/142): “وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي السُّرُورِ لَا فِي الشُّرُورِ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقْبَحَةٌ”. انتهى.
وقال الفقيه المالكيُّ الحطَّاب -رحمه الله- في كتابه “مواهب الجليل في شرح مختصر خليل” (2/228): “أَمَّا إصْلَاحُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا، وَجَمْعُ النَّاسِ عَلَيْهِ: فَقَدْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ، وَعَدُّوهُ مِنْ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَائِمِ”. انتهى.
وقال الإمام النوويُّ الشافعيُّ -رحمه الله- في كتابه “روضة الطالبين” (2/145): “وَأَمَّا إِصْلَاحُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا، وَجَمْعُهُمُ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُنْقَلْ فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ بِدْعَةٌ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ”. انتهى.
وقال العلَّامة الحنبليُّ ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه “المغني” (3/497): “فَأَمَّا صُنْعُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا لِلنَّاسِ: فَمَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى مُصِيبَتِهِمْ، وَشُغْلًا لَهُمْ إلَى شُغْلِهِمْ، وَتَشَبُّهًا بِصُنْعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ”. انتهى.
وذهب بعض العلماء إلى التحريم. قال العلَّامة ابن مفلح الحنبليُّ -رحمه الله- في كتابه “الفروع” (3/408): “وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ جَعْفَرٌ: لَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ، وَنَقَلَ الْمَرْوَذِيُّ: هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا”. انتهى. ويتوجَّه القولُ بالتحريم إذا كان ثمن الطعام من أموال اليتامى والقُصَّر.
ويُستثنى من الكراهة: صنع الطعام لمن ينزل بهم من الضيوف إذا كان صنعه على سبيل الإكرام، لا بسبب الوفاة. قال الفقيه ابن قدامة الحنبليُّ -رحمه الله- في كتابه “المغني” (3/497): “وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ جَازَ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا جَاءَهُمْ مَنْ يَحْضُرُ مَيِّتَهُمْ مِنْ الْقُرَى وَالْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ، وَيَبِيتُ عِنْدَهُمْ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ إلَّا أَنْ يُضَيِّفُوهُ”. انتهى.
واعلم أنّ الأكل من الطعام الذي أعدُّوه لهذا السبب -أي الوفاة- مكروه. ويَحْرُم إن كان الطعام من مال الورثة الصغار. قال العلَّامة البُهوتيُّ الحنبليُّ -رحمه الله- في كتابه “كشَّاف القناع” (2/149): “وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ التَّرِكَةِ وَفِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، أَوْ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ: حَرُمَ فِعْلُهُ، وحَرُمَ الْأَكْلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، أَوْ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِه”. انتهى.
وقال الفقيه الشافعيُّ ابن حجر الهيتميُّ -رحمه الله- في كتابه “تحفة المحتاج” (3/207): “وَمَا اعْتِيدَ مِنْ جَعْلِ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا لِيَدْعُوا النَّاسَ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، كَإِجَابَتِهِمْ لِذَلِكَ” انتهى.
وقال العلَّامة النَّفراويُّ الأزهريُّ المالكيُّ -رحمه الله- في كتابه “الفواكه الدواني” (1/285): “وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ الْأَكْلُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي صَنَعَهُ مِنْ الْوَرَثَةِ بَالِغًا رَشِيدًا: فَلَا حَرَجَ فِي الْأَكْلِ مِنْهُ”. انتهى.
وفي “الموسوعة الفقهية” (16/44): “وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الضِّيَافَةُ مِنْ أَهْل الْمَيِّتِ؛ لأِنَّهَا شُرِعَتْ فِي السُّرُورِ، لاَ فِي الشُّرُورِ… وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الأْكْل مِنْ طَعَامِ أَهْل الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ تَرِكَةٍ وَفِي مُسْتَحِقِّيهَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ: حُرِّمَ فِعْلُهُ، وَالأْكْل مِنْهُ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، بِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَهْيِئَةُ الطَّعَامِ لِنَائِحَاتٍ؛ لأِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الطَّعَامِ فِي أَيَّامٍ مُتَعَارَفٍ عَلَيْهَا كَالْيَوْمِ الأْوَّل، وَالثَّالِثِ، وَبَعْدَ الأْسْبُوعِ”. انتهى.
والله تعالى أعلم.








