هل يجوز مشاهدة الساحر أثناء القيام بسحره وعمله؟
الفتوى رقم 2018 السؤال: هل يجوز مشاهدة الساحر أثناء القيام بسحره وعمله؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
فإن مشاهدة السِّحر عمدًا لا تجوز؛ لما فيها من إقرار المنكر والرضا به، وتشجيع الناس عليه، بل الواجب أن يُعرِضَ عن هذا المنكر عند رؤيته، خاصة إذا كان لا يستطيع الإنكار على فاعله -سدًّا للذريعة وحماية للعقيدة- قال الله تعالى في وصف عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) [سورة الفرقان الآية: 72]. والزور هو: كلّ باطل مزوَّر مُزخرَف، واللغو: هو كلّ سَقْطٍ من قول أو فعل. فيدخل في ذلك السِّحر وغيره مما يشمله المعنى؛ إذ السِّحْرُ من أكبر الباطل وأعظم الزور.
وقال الفقيه البُجَيْرَمِيُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- في حاشيته المسمَّاة “تحفة الحبيب على الإقناع للخطيب الشربيني”: “وما هو حرام في نفسه يَحْرُمُ التفرُّج عليه؛ لأنه رضًا به، كما قال ابن قاسم على المنهج”. اهـ.
واعلم أنه لا فرق في الحرمة بين رؤية السِّحر مباشرة، وبين رؤيته في التلفاز، إذ الرضا بالسحر والفتنة به حاصل في الحالين. فقد روى مسلم في صحيحه عن معاويةَ بنِ الحكَمِ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه، قال: “قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ؟ قَالَ: فَلَا تَأْتِهِمْ”.
وقد وصف الله تعالى السَّحَرة بالمفسدين، فقال سبحانه: (قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) [سورة يونس الآية: 81].
فهذه الـمَفسدة كافية في تحريم مشاهدة عُروض السَّحَرة. يقول الإمام النوويُّ -رحمه الله- في “شرحه على صحيح مسلم” (5/22): “قال العلماء: إنمّا نُهِيَ عن إتيان الكُهَّان لأنهم يتكلمون في مغيَّبات قد يصادف بعضُها الإصابةَ فيُخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك؛ لأنهم يلبِّسون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهَّان، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يُعْطَوْن من الحُلْوان، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماعَ على تحريمه جماعة، منهم: أبو محمد البغوي -رحمه الله تعالى-. قال البغوي: اتفق أهل العلم على تحريم حُلوان الكاهن، وهو ما أخذه المتكهِّن على كِهانته، لأنّ فعل الكِهانة باطل لا يجوز أخذ الأجرة عليه. وقال الماوردي -رحمه الله تعالى- في “الأحكام السلطانية”: “ويمنع المحتسبُ الناسَ من التكسُّب بالكِهانة واللهو، ويؤدِّب عليه الآخذَ والـمُعطِي”. انتهى.
واعلم أن مشاهدة أعمال السحرة استهانة بالمنكر وجرأة عليه، فإذا اعتاد المسلم هذه المناظر زالت من قلبه نكارته، وبدأت نفسه تألف تلك الأعمال، خاصة وأن بعض أنواع السحر في حقيقته أعمال كفر ورِدَّةٍ عن الإسلام، ومن أعظم المفاسد أن يستسيغ القلب المعصية، فلا يعرف المعروف ولا يُنكِر الـمُنكَر. ثم إنه عادة ما تصحب عروضَ السَّحَرة الكثيرُ من المشاهد الأخرى المحرَّمة كصور النساء العاريات، وهذا سبب مُوجِب للتحريم أيضًا.
والله تعالى أعلم.







