أمّ عجوز أرملةٌ، تتقاسم المبيت عند أبنائها، ولكنْ لسوء أخلاق الأمّ لم يَعُدْ أحد يستطيع تحمُّلها، هل يُحاسب الأولاد إذا وضعوا أُمَّهم في دار العجزة؟
الفتوى رقم 1996 السؤال: أمّ عجوز أرملةٌ، لديها ثلاث بنات وولدان، كانت تتقاسم المبيت عند كلِّ ولد وبنت، ولكنْ لسوء أخلاق الأمّ لم يَعُدْ أحد يستطيع تحمُّلها، فولداها رفضا أن تأتيَ إليهم بحجّة أن زوجتَيْهما لا تتحملان، وبناتها متزوِّجات ولا يرضى أزواجهنّ بأن تبيت أمُّ زوجاتِهم في بيوتهم. السؤال: هل يُحاسب الأولاد إذا وضعوا أُمَّهم في دار العجزة، لأن الوضع أصبح لا يُحتمل، فالولدان رفضاها، والبنات لا تستطعن إجبار أزواجهن على استقبال أمِّهنّ؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
فإنه من المعلوم أن بِرَّ الوالدين والإحسان إليهما وطاعتهما في غير معصية هو من آكد الحقوق وأعظمها؛ لقوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) [سورة العنكبوت الآية:8]، وقال: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [سورة لقمان الآية: 14]، وقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً) [سورة الإسراء الآيتان: 23-24].
فالواجب بِرُّ الوالدين والإحسان إليهما، وطاعتهما في المعروف، ومصاحبتهما بالمعروف، والمصاحبة لهما بالمعروف تكون ولو أساءا لعِظَمِ حقِّهما عليك، وبرُّ الأُمِّ آكد من برِّ الأب، فقد جاء رجل إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وسأله: “مَن أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: “أمُّك”. قال: ثم مَن؟ قال: “أمُّك”. قال: ثم مَن؟ قال: “أمُّك”. قال: ثم من؟ قال: “أبوك” رواه البخاريُّ ومسلم.
ولعلّك إذا أحسنت إليهما رضيا عنك، وإذا رضيا عنك فأنت على خير عظيم؛ لأن الله سيرضى عنك. ونذكرك بقوله ﷺ: “رَغِمَ أنف، ثم رَغِمَ أنف، ثم رغم أنف، قيل من يا رسول الله؟ قال: مَن أدرك أبَوَيْه عند الكِبَر أحدَهما أو كلَيْهما فلم يُدْخِلاه الجنة” رواه مسلم، وعند الترمذي: “ولم يَدْخُل الجنة”.
بناء عليه: فمن مقتضى البِرِّ أن يقوم الأولاد الذكور بتوفير مسكن وخادمة لأمِّهم للقيام بشؤونها مع الزيارة الدائمة لها من قِبَل أولادها الذكور والإناث.
وأما وضعها في دار للعجزة فهذا لا يليق بالأولاد، وفيه تَخَلٍّ عن المسؤولية تجاه أمِّهم من حيث الخدمة وبُعدٌ عن البِرِّ بها. فإذا تعذَّر ذلك فبإمكانهم وضعها في دار العجزة بشرط زيارتها كلَّ يوم والقيام على شؤونها، واسترضائها، وإلا حَرُمَ عليهم وضعها في دار العجزة وعدم السؤال عنها، أو عدم زيارتها، واعلم أنك كما تدين تُدَان.
والله تعالى أعلم.








