من المقصود بالأعراب في قوله تعالى: (الأعراب أشدُّ كفرًا ونفاقًا)؟

الفتوى رقم: 1403 السؤال: من المقصود بالأعراب في قوله تعالى: (الأعراب أشدُّ كفرًا ونفاقًا)؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

لقد ورد في القرآن الكريم ذِكْرُ الأعراب في عدد من السور؛ منها هذه الآية التي في سورة التوبة، قال الله تعالى: (الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آية:97-99]. وكذلك ورد ذكرهم في سورة الحجرات.

والمقصود الأعراب وليس العرب، وفَرْقٌ بين اللفظين؛ فالعرب هم الجنس المعروف الذي ينقسم إلى حَضَرٍ وبَدْو، والحضر: هم سكان المدن والقرى، أما البدو: فهم “الأعراب” سكان البادية دومًا، وهؤلاء هم الذين تخبر عنهم الآيات الكريمات في سورة التوبة. قال الإمام النوويُّ -رحمه الله- في. “شرحه على صحيح مسلم” (1/169): “أهل البادية هم الأعراب، ويغلب فيهم الجهل والجفاء، ولهذا جاء في الحديث: “مَن بدا جفا”، والبادية والبدو بمعنًى [أي: بمعنى واحد]: وهو ما عدا الحاضرة والعمران. والنسبة إليها بدوي”. انتهى.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في”تفسير القرآن العظيم” (4/201-202): “أخبر تعالى أن في الأعراب كفارًا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، و(أجدر): أي: أحرى ألَّا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله… عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبيِّ ﷺ قال: “من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى السلطان افتتن” رواه أبو داود والترمذيُّ وقال: حسن غريب…. وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة التوبة الآية:97] أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، (حَكِيمٌ) فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يُسأل عما يفعل لعلمه وحكمته. وأخبر تعالى أن منهم (مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ) [سورة التوبة الآية:98] أي: في سبيل الله (مَغْرَمًا) أي: غرامة وخسارة، (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) أي: ينتظر بكم الحوادث والآفات، (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) أي: هي منعكسة عليهم، والسوء دائر عليهم، (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان. وقوله: (وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ)، هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قُربة يتقرَّبون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، (أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ) أي: ألا إن ذلك حاصل لهم (سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)”. انتهى.

قال المفسِّر أبو السعود -رحمه الله- في كتابه: “إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم”: الأعراب هي صيغة جمع وليست بجمع للعرب، قاله سيبويه؛ لئلا يلزم كون الجمع أخص من الواحد، فإن العرب هو هذا الجيل الخاص سواء سكن البوادي أم القرى، وأما الأعراب فلا يطلق إلا على من يسكن البوادي، ولهذا نُسب إلى الأعراب على لفظه فقيل: أعرابي، وقال أهل اللغة: رجل عربي وجمعه العرب، كما يقال مجوسي، ويهودي، ثم يحذف ياء النسب في الجمع فيقال: المجوس، واليهود، ورجل أعرابي ويجمع على الأعراب و الأعاريب، أي: أصحاب البدو أشد كفرًا ونفاقًا من أهل الحضر؛ لجفائهم وقسوة قلوبهم وتوحُّشِهم ونَشْئِهم في مَعْزِلٍ من مشاهدة العلماء ومفاوضتهم، هذا من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده، كما في قوله تعالى: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا) إذ ليس كلهم كما ذكر على ما ستحيط به خُبْرًا (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا) أي: أحقُّ وأَخْلَقُ بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله لبعدهم عن مجلسه ﷺ وحرمانهم من مشاهدة معجزاته ومعاينة ما ينزل عليه من الشرائع في تضاعيف الكتاب والسُّنَّة، (والله عليم) بأحوال كلٍّ من أهل الوَبَر والمــَدَر، (حكيم) فيما يصيب به مسيئَهم ومحسنَهم من العقاب والثواب”. انتهى.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *