ممن تتزوَّج نساء الجنَّة؟ ومن تكون زوجة المؤمن في الجَّنة إذا كان متزوِّجًا في الدنيا بأكثر من واحدة؟

الفتوى رقم: 1285 السؤال: ممن تتزوَّج نساء الجنَّة؟ وهل يتزوَّجن من أزواجهن في الدنيا أم من غيرهم؟ ومن تكون زوجة المؤمن في الجَّنة إذا كان متزوِّجًا في الدنيا بأكثر من واحدة؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

اعلم -أخي السائل- أن الجنة دار النعيم بكل أصنافه وألوانه، فيها كل ما تشتهيه الأنفس، وتَلَذُّ الأعين، فيها من النعيم ما يفوق الوصف، فقد روى البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما -واللفظ لمسلم- قال رسول الله ﷺ: “قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين)”. فكلُّ مَن يدخلها ينعم بأنواع النعيم، ويعطيه الربُّ سبحانه كلَّ ما يشتهيه سواء كان رجلًا أم امرأة، ولا شك في أن النكاح هو من أنواع النعيم الذي تشتهيه الأنفس السوية، وعليه فكل نساء الجنة متزوِّجات لهذا المعنى، و روى مسلم في صحيحه، عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: “وما في الجنة أعزب”.

واعلم: أن المرأة الصالحة من أهل الجنة التي لم تتزوج إلا مرة واحدة تكون زوجة لزوجها في الدنيا إن كان من أهل الجنة، ويُرفع الأدنى منهما منزلة إلى الأعلى منه، تفضُّلًا من الله تعالى وإحسانًا، قال الله تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) [سورة الرعد الآية: 23]. وقال الله تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ) [سورة الزخرف الآية: 70].

أما إذا كانت المرأة الصالحة قد تزوجت بأكثر من زوج، وجميعهم في الجنة، فهي تكون لآخرهم على الراجح، كما صحَّ في الحديث عند الطبراني في معجمه الأوسط (3/275): “أن معاوية رضي الله عنه، خطب أمَّ الدرداء فأبَتْ أن تتزوجه وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “المرأة لآخر أزواجها” ولست أريد بأبي الدرداء بدلًا، فنصحها معاوية بالصيام. وفي رواية: “أيما امرأة توفِّي عنها زوجُها فتزوجت بعده فهي لآخر أزواجها.” وقيل: لأحسنهم خُلقًا، ودليل ذلك ما ورد عن أمِّ سلمةَ رضي الله عنها قالت: “يا رسول الله: المرأة تتزوج مرتين في الدنيا فيموتان وتموت، فلمن تكون هي في الآخرة؟ قال لأحسنهما خُلقًا يا أم سلمة، ذهب حُسْنُ الخُلق بخيرَيِ الدنيا والآخرة.” رواه الدارقطنيُّ في سننه. وقيل: تُخَيَّرُ بينهم، للحديث الذي أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال لامرأته: “إن شئت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تزوَّجي بعدي؛ فإن المرأة لآخر أزواجها في الدنيا، فلذلك حرَّم اللهُ على أزواج النبيِّ ﷺ أن ينكحن بعده؛ لأنهن أزواجه في الجنة.”.

وأما المرأة الصالحة التي تزوِّجت، لكن زوجها كان من أهل النار -والعياذ بالله- فلا تكون زوجة له، بل تتزوج غيره؛ لأن الله تعالى قضى بالتفريق بين الأنبياء وزوجاتهم الكافرات، فغيرهم من باب أَولى، قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) [سورة التحريم الآية: 10]. وقد ذكر القرطبيُّ -رحمه الله- هذه الأقوال في كتابه: “التذكرة في أحوال الموتى والآخرة” (2/278).

أما الرجل فإذا كان من أهل الجنة وكانت زوجاته في الدنيا من المؤمنات، فإنهن يكنَّ معه في الجنة، وقد نصَّ على هذا القرآنُ الكريم، قال الله تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) [سورة الرعد الآية: 23]. ومن دعوات حملة العرش ومَن حولَه من الملائكة لمؤمني البشر، قال الله تعالى: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) [سورة غافر الآية: 8]. وثبت في الصحيحين من حديث أبي عمران الجَوْنِيِّ، عن أبي بكر، عن عبد الله بن قيس، عن أبيه رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: إن للعبد المؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤ مجوَّفة طولها ستون ميلًا، للعبد المؤمن فيها أهلون فيطوف عليهم، لا يرى بعضهم بعضًا. “.

ولمزيد من التفصيل يُرجع لكلام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في: “فتح الباري شرح صحيح البخاري”، وكتاب: “وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ” للعلَّامة ابن قيِّم الجوزَّية رحمه الله.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *