هل من مدة زمنيَّة محدَّدة للزوجة لزيارة أرحامها؟ ومن هم الأرحام الواجب زيارتهم؟

الفتوى رقم: 1207 السؤال: هل من مدة زمنيَّة محدَّدة للزوجة لزيارة أرحامها؟ ومن هم الأرحام الواجب زيارتهم؟ ومن الذين يحقُّ للزوج منعها منهم؟ وهل هناك فرق بين أمِّها وأبيها وأخوتها؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

روى البخاريُّ ومسلم في صحيحَيْهما أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، قال: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكْرِمْ ضيفَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليَصِلْ رَحِمَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”. وقال ﷺ: “إن الله تعالى خلقَ الخلق حتى إذا فرغ منهم -أي: كمَّل خلقهم-، قامت الرَّحِم فقالت: هذا مقامُ العائذِ بك من القطيعة -أي تستعيذ بالله من أن تُقطع- قال: نعم، أما ترضَيْن أَنْ أَصِلَ مَن وَصَلَكِ وأقطعَ مَن قَطَعَك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك، ثم قال رسول الله ﷺ: اقرؤوا إن شئتم: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) [سورة محمد آيتان:22-23]متفق عليه. وفي رواية خرَّجها البخاريُّ في صحيحه: “فقال الله تعالى: مَن وَصَلَكِ وَصَلْتُه ومن قَطَعَك قَطَعْتُه”. والمقصود: أن صلة الرحم من أعظم الواجبات الشرعيَّة التي أمر الله تعالى بها، والتي حذَّر جَلَّ وعلا مِن قطعها والتفريط فيها كما تقدم، وقد خرَّجا في الصحيحين عن النبيِّ صلِّى الله عليه وسلِّم أنه قال: “لا يدخل الجنة قاطع” أي: قاطع رحمه.

إذا عُلم هذا فإن الرحم التي توصل، والتي تراعى أعظمها صلة الوالدين؛ لأن من طريقهما تكون قرابة الرحم، فأعظم حقِّ عليك في الرحم هما الوالدان بأن تبرَّهما وأن تُحسن إليهما، حتى قرن الله جلَّ وعلا عقوقهما بالشرك، وقرن الأمر بتوحيده ببِرِّهما، كما قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [سورة الإسراء آية:23]، وقال جلَّ وعلا: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [سورة النساء آية:36]، وخرَّجا في الصحيحين عن النبيِّ ﷺ أنه قال: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر -ثلاثًا-؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متَّكئًا فجلس: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكرِّرها حتى قلنا ليته سكت”. فأعظم الأرحام التي يجب بِرُّها هما الوالدان، ولذلك غلب لفظ البِرُّ في الوالدين، وغلب لفظ الصلة في الأقارب، وإن كان هذا يَصِحُّ أن يكون مكان ذاك.

الأرحام التي توصل

وأما عن الأرحام التي توصل فإن ثمة خلافًا بين العلماء -عليهم جميعًا رحمة الله تعالى- في الرحم الواجبة التي يجب صلتها، ومع هذا فإننا نذكر لك أصوب القولين وأصحَّهما، وهو أن الرحم التي تجب صلتها هي ما كانت من جهة الوالدين، فالأجداد من جهة أمِّك وهما الجدان وإنْ علَوا -أي: كالجد وأبي الجدِّ وأبي أبي الجدِّ ونحو ذلك- وكذلك الخالات والأخوال وأولادهم ومن تفرَّع عنهم، فهذا كلُّه داخل الرحم التي أمر الله تعالى بصلتها، وكذلك من جهة الأب وهما الجدان وإنْ علَوا -أي: كالجد وأبي الجدِّ وأبي أبي الجدِّ ونحو ذلك- والأعمام والعمَّات وأولادهم ومن تفرَّع عنهم. فهذه هي الرحم التي أمر الله تعالى بصلتها.

الأوقات التي يتم فيها صلة الرحم

وأما عن سؤالك عن الأوقات التي يتم فيها صلة الرحم، فلا ريب أنه لا يجب وقت محدد في هذا، إلا أن ذلك يُضبط بحسب الأعراف، بحيث لا تُعَدُّ قاطعًا بحسب العرف المتداول بين الناس، وتتوكَّد هذه الصلة في أوقات فرح المسلمين؛ كعيد الأضحى وعيد الفطر، وكذلك التهنئة بالزواج والأفراح والمسرَّات، وكذلك التعزية في المصائب كالموت والمرض وغير ذلك، فكلُّ ذلك من الصلة التي أمر الله تعالى بها، ولا يجب في ذلك تحديد وقتٍ معين، ولكن المطلوب تحقُّق معنى الصلة الذي يحصل في النفس والتي تعارف عليه المؤمنون، بحيث إنك تقوم بما يقتضيه الإحسان في هذا الشأن.

والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *