مصافحة المرأة الأجنبية: حكمها، وهل تنقض الوضوء؟

الفتوى رقم:146: السؤال: السلام عليكم، ما حكم مصافحة المرأة الأجنبية؟ وهل لمس المرأة ينقض الوضوء؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

لا تَحِلُّ مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية والعكس، وقد ثبتت الحرمة بأدلة صحيحة صريحة، ونصَّ فقهاء المذاهب الأربعة على الحرمة.

فعن معقل بن يسار رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ” لَأَنْ يُطعن في رأس أحدكم بمِخْيَطٍ من حديد خير له من أن يَمَسَّ امرأةً لا تَحِلُّ له”. رواه الطبراني في “الكبير” بسند صحيح.
وروى مسلم في صحيحه عن أمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ” كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُمْتَحَنَّ بقول الله عزَّ وجلَّ: (يا أيها النبيُّ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين) الممتحنة آية: 12، قالت عائشة: فمن أقرَّ بهذا من المؤمنات فقد أقرَّ بالمحنة، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: انطَلِقْنَ فقد بايَعْتُكُنَّ، ولا والله ما مسَّت يدُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يدَ امرأةٍ قَطُّ غير أنه يبايعهنَّ بالكلام، قالت عائشة: واللهِ ما أخذ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على النساء قَطُّ إلا بما أمره الله تعالى، وما مسَّتْ كَفُّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كفَّ امرأةٍ قَطُّ، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتكن كلامًا.” رواه مسلم، وعنده أيضًا عن عروةَ، أن عائشةَ رضي الله عنها أخبرته عن بيعة النساء، قالت: “ما مسَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيده امرأة قَطُّ، إلا أنه يأخذ عليها، فإذا أخذ عليها فأَعْطَتْهُ، قال: اذهبي فقد بايعتك.”

فهذا المعصوم، خيرُ خلق الله كلِّهم، سيدُ ولد آدم يوم القيامة لا يَمَسُّ النساء، هذا مع أن الأصل في البيعة أن تكون باليد، فكيف بغيره من الرجال، ومن غير مبايعة؟!

وعن أميمة ابنة رقيقة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: “إني لا أصافح النساء”. رواه النَّسائي وابن ماجه في سننَيهما بسند صحيح.

وهاك نصوصًا لفقهاء المذاهب الفقهية الأربعة على:

  • – مذهب الحنفية: قال الفقيه ابن نجيم رحمه الله في “البحر الرائق” ( 8 / 219 ): و”لا يجوز له أن يَمَسَّ وجهَها ولا كفَّها، وإنْ أَمِنَ الشهوة لوجود المحرم، ولانعدام الضرورة” .اهـ .
  • – مذهب المالكية: قال العلَّامة محمد بن أحمد عليش رحمه الله في كتابه ” مِنَحُ الجليل شرح مختصر خليل” (1/223): “ولا يجوز للأجنبي لمسُ وجه الأجنبية ولا كفَّيْها، فلا يجوز لهما وضع كفِّه على كفِّها بلا حائل، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها” ما بايع النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم امرأة بصفحة اليد قَطُّ، إنما كانت مبايعته صلَّى الله عليه وسلَّم النساء بالكلام”، وفي رواية “ما مسَّتْ يدُه يدَ امرأة وإنما كان يبايعهن بالكلام”.اهــ.
  • – مذهب الشافعية: قال الإمام النوويُّ رحمه الله في كتابه: المجموع (/5154) “ولا يجوز مسُّها في شيء من ذلك” .اهـ. وقال العلَّامة وليُّ الدين ابن الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله في “طرح التثريب”(7/45، 46): وفيه: أنه عليه الصلاة والسلام لم تَمَسَّ يدُه قَطُّ يدَ امرأة غير زوجاته وما ملكت يمينُه؛ لا في مبايعة، ولا في غيرها، وإذا لم يفعل هو ذلك مع عصمته وانتفاء الريبة في حقه: فغيره أولى بذلك، والظاهر أنه كان يمتنع من ذلك لتحريمه عليه؛ فإنه لم يَعُدَّ جوازَه من خصائصه، وقد قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إنه يحرم مسُّ الأجنبية ولو في غير عورتها كالوجه، وإن اختلفوا في جواز النظر حيث لا شهوة ولا خوف فتنة، فتحريم المسِّ آكدُ من تحريم النظر، ومحلُّ التحريم ما إذا لم تَدْعُ لذلك ضرورة؛ فإن كان ضرورة كتطبيبٍ وفصدٍ وحجامةٍ وقلعِ ضرس وكحلِ عين ونحوها مما لا يوجد امرأةٌ تفعله جاز للرجل الأجنبي فِعْلُه للضرورة” .اهـ.
  • – مذهب الحنابلة: قال الفقيه الحنبلي ابن مفلح رحمه الله في” الآداب الشرعية” ( 2/257 ): “وسئل أبو عبد الله ـــ أي الإمام أحمد ــــ عن الرجل يصافح المرأة قال: لا، وشدَّد فيه جدًّا، قلت: فيصافحها بثوبه؟ قال: لا، والتحريم اختيار الشيخ تقي الدين، وعلَّل بأن الملامسة أبلغ من النظر” .اهـ. والله تعالى أعلم.

أما بالنسبة للسؤال الثاني: هل لمس الزوجة ينقض الوضوء، أم لا؟

الجواب: لا يُنقض الوضوءُ بلمس المرأة الأجنبية ـــ ومنه لمس الزوجة ـــ عند السادة الحنفية، خلافًا للشافعية الذين اعتبروا اللمسَ ناقضًا، ولا حرج من الأخذ بمذهب السادة الحنفية. والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *