الهجرة النبوية.. ماذا نتعلّم منها؟ | رسالة جمعية الاتحاد الإسلامي للمسلمين بهذه المناسبة

الهجرة النبوية.. ماذا نتعلّم منها؟ | رسالة جمعية الاتحاد الإسلامي للمسلمين بهذه المناسبة

لم تعلمْ تلك الرمالُ الخاملة المرماة جنوبَ مكة أنها على موعد لتطأها أقدامُ أنبل رجل من رجال البشرية، فتستحيلَ لآلئ ثمينة، تشهد ولادةَ حضارة جديدة، ستغدو مفخرةَ أجيال المسلمين على مرّ التاريخ بل مفخرة البشرية كلها كما صرّح عدد من الغربيّين المنصفين.

إنها الهجرة، ليست حكاية قومٍ سفّهوا أحلام قريش وعابُوا آلهتها، فاستعدَوْها، فضَغُنت عليهم وسامتهم سوءَ العذاب، ثم شُقّ عليهم ذلك، فولَّوْا فارّين زُرافاتٍ وَوُحدانا؛ بل هي معركةُ الحق والباطل، والتضحية العظيمة التي دفع الجيلُ الأول ثمنَها غالياً من أجل عقيدته ومبادئه طيلة ثلاثَ عشْرةَ سنة.

• فكان الدرس ألا نتعلّقَ بأذيال الماضي المؤلم هُجّعاً نلطم الخدّ ونندِبُ الحظّ!

إنها الهجرة، نسترجع منها المشهد العظيم، عندما باءت جهودُ قريشٍ بالفشل في العثور على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فأغرتْ من يأتي بخبرٍ عن مكانه بجائزة (مئة بعير)، فكان المغنم الثمين هذا قاب قوسين أو أدنى من سُراقة بن مالك، لولا أن ساخت أقدامُ فرسه بالرّمال وكاد يُدفن فيها!! في هذا الجوّ شديد الكآبة ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على مسمعِ الوجود كلمةً أذهلت سُراقة وحيّرت كُتّاب السِّيَر : كيف بك إذا لبست سِوَارَيْ كسرى؟!.

فكان الدرس أن لا نكون بما في أيدينا أوثقَ مما في يدي الله.

إنها الهجرة، تُعلّمنا أنّ من الدموع نوعاً يسمى دموع الفرح، كان ذلك عندما سأل أبو بكر رضي الله عنه رسولَ الله الصحبةَ (فور إعلامه بالإذن بالهجرة). فقال: نعم. فسالت من عينيه دموعٌ نديّة، قالت عنها عائشة رضي الله: (فلقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح).

• فكان الدرس أنّ الأخوّة عهدٌ والعِشرة عهدٌ والصُّحبة عهدٌ، لا يحفظه إلا وفيٌّ، ولا يفرّط به إلا غادرٌ. وخير من قدّم المثل الصادق لهذا العهد هو أبو بكر الصِّدّيق وفي أشدّ الظروف خطراً رضي الله عنه.

إنها الهجرة، تُعلّمنا أنّ الدنيا محفوفةٌ بالشهوات والمكاره، وأنّها بين منحةٍ ومحنة، وأنّ البطل ليس من ينمّق الكلام ويحضُّ الناس على الصبر والمصابرة، ثم إذا مسّه الضُرُّ فزِع، بل هو من أمثال صهيب الرومي الذي تسامت نفسُه فوق الشدائد فضحّى كغيره من المهاجرين بالمال والجاه والوطن، حتى أن قريشاً أرسلت بأثره فرسانها فأدركوه، وقالوا له: أتيتنا صُعلوكاً فقيراً، فكثُر مالُك عندنا، وبلغْتَ بيننا ما بلغت، والآن تنطلق بنفسك وبمالك؟! فدلّهم على المكان الذي خبَّأ فيه ثروته فتركوه وشأنَه، وقفلوا إلى مكة راجعين.

وما إن أدرك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في قُباء، حتى ناداه متهلّلاً : ((أبا يحيى ربح البيع)) أخرجه الحاكم في المستدرك.

إنها الهجرة، تُعلّمنا أنّ أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، لم تكن فتاة فارغةً، كلّ همّها التزيّن والتسّوق، بل شقّـت نطاقها مُزقتين، تربط السقاء والسُّفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه وهما في الغار، فكانت ذات النطاقين.

وأخفت عن أبي جهل خبر الصاحبين، فلطمها الخبيث على وجهها فطرح منها القِرط، فكانت الفتاة الشجاعة.

وأجابت جَدّها أبا قحافة وكان أعمى بأنّ أباها ترك لهم مالاً يتبلّغون به، فوضعت ثوباً على كُوّة المال وقد ملأتها حَجَراً، ليتلمّسها الجَدّ ويرضى. فكانت امرأة حكيمة أحسنت الحيلة بذكائها لإرضاء جَدّها.

• فكان الدرس أنّ أجَلَّ الأحلام وأعظمها حُلُم رسالة الإسلام، وأنّ هذا الحلم هو شراكةٌ بين الرجل والمرأة.

وإذ تهنّئ جمعية الاتحاد الإسلامي المسلمين في ربوع الأرض بمناسبة هذه الذكرى الجليلة وافتتاح عام هجري جديد، تُهيب بهم أن يتلمّسوا مواطنَ الجِراح من أجسامهم، وأن ينتفضوا من رَقدتهم وكسلهم ليتلقّفوا دروس هجرة نبيهم صلى الله عليه وسلم واقعاً يتعلّمون منه:

  • – كيف ينهضون ولو سقطوا، وأن ينفقوا طاقاتهم في سبيل تأسيس جيلٍ يصنع أمجاده، كما فعل أجداده الأُوَل، عندما انتقلوا من دَور الدعوة إلى دور الدولة.
  • – وكيف يعظُم الأمَلُ في قلوبهم ولو تتالتْ عليهم الخَيبات بسبب من مكر الأعداء وغدر المنافقين الخبثاء وظلم الطغاة العملاء.
  • – وكيف يصيرون بسرّ هذه الآية الباهرة: (وأنَّ هذا صِراطِي مستقِيماً فاتّبِعوه ولا تتّبِعوا السُّبلَ فتَفَرّقَ بِكم عن سبِيلِهِ ذلِكم وصاكم بِهِ لعلَّكم تتقون): جذوراً صُلبة عاتية في وجه اليأس فلا ينكسرون، حاملين إلى المجد قلوبهم الكبيرة، كما تحمل النسور وهي تخترق علياء السماء أجنحتها العظيمة.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *