من نسائم الهجرة | بلم أ. طه ياسين - موقع إشراقات

من نسائم الهجرة

من تلك الصحراء المحرقة بين مكة والمدينة تهبُّ على العالم الإسلامي نسمةٌ رخيّة عليلةٌ تذكرّه بعهدٍ منصرم؛ كان أهلُه يعبدون الأصنام، ويأكلون الميْتَة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام، ويقتلون أولادهم خشية إملاق. فكانوا قوماً هُمَّلاً على هامش التاريخ، لا يلقى لهم بال و لا يحترمهم أحد، إلى أن تلألأت رمالٌ تحت أقدام أعظم رجل عرفته البشرية، فخطت بداية حضارة عملاقة، أطاحت في غضون نصف قرن بكسرى وقيصر، فحيَّرت المؤرخين.

يا للبشرى!

إنه أكبر حدث في التاريخ، يؤذن بأمواج تغسلُ الدنيا من أدران الشرك والظلم والاستكبار، وتُغيّرُ معالم الوجود، وتشق الطريق التي تَدْلفُ منها البشرية إلى النجاة والسعادة. إنه الحدث الذي كانت قريش تودُّ لو تفتدي من وقوعه بحُمْر النَّعَم، لأنها كانت تعلم أنه سيُرغم أنفها ويَكسر شوكتها، ويجعلها خبراً من الأخبار، الحدث الذي كانت منه بدر والخندق والقادسية واليرموك، وكان منه المدّ الإسلامي الباهر، الذي عبّر عنه هارون الرشيد بخطابه للسحابة قائلاً: (أمطري حيث شئت , فسوف يأتيني خَرَاجك).

إنها الذكرى التي تبعث على إحياء المكارم والأمجاد والمفاخرة. إنها ذكرى الهجرة.. ذكرى توجب على المسلمين أن يتعلموا:

• أنّ الهجرة هي خضوع الحياة للعقيدة، وليس العكس، فيُضحِّي المسلم بحياته وماله ووطنه في سبيل عقيدته، فيتعلم كيف يتعفف وهو فقير، وكيف يتصدَّق والمال حبيبه، وكيف يُمسك نفسه وهو شارِه، وكيف يكظم غيظه وهو قادر.

• أنّ الهجرة لم تكن فراراً من حالة مواجهة إلى حالة رخاء، فَرَضها فتور العزيمة وخَوَر النفس، بل هي استجابة النبي صلى الله عليه وسلم لإذن ربه الملتَمَس في قوله تعالى: (ومن يُهاجر في سبيل الله يجدْ في الأرض مُراغماً كثيراً وسعةً ومن يخرُج من بيته مُهاجراً إلى الله ورسُوله ثُم يُدركهُ الموتُ فقد وقع أجرُهُ على الله). ألم يصمد هو وقومُه ثلاثَ عشْرة سنة يتعرضون لأشنع أنواع الأذى، من توبيخ و تنكيل وقتل. ألم ترمِ أروى بنت حرب (حمّالة الحطب) الشوكَ في طريق رسول الله. ويُلقِ عُقبة بن مُعَيْط (كرش بعير) على رسول الله وهو ساجد، ويُغرِ سادة ثَقيف سفهاءهم وعبيدهم ليلحقوا برسول الله وصاحبه يواجهونهم بالشتم و يرمونهم بالحجارة. ألم تحبسه قريش وقومه في الشِّعب ثلاث سنين كاملة؟!. كل ذلك كان أشبه بالضربات التي لا تكسر الظهر بل تقوِّيه.

• أن الهجرة ليست بالتحلّي ولا بالتمني، بل هي ابتلاء عظيم ينزل ليستوضح فينا قوله جلّ وعلا: (صدقوا ما عاهدوا الله عليه).

• أن الحرب بين حقٍّ وباطل، وليس بين فريق وفريق، وأنّ محمداً صلى الله عليه وسلم كان أمينًا ليس في نظر قومه فحسب، بل حتى في نظر أولئك الذين تربَّصوا به ليقتلوه ليلة ترك عليّاً رضي الله عنه يرعى ودائعهم من أن تطالها يد السارقين. وهذا معنى جليلٌ من معاني الشهامة والأمانة؛ يسكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قالب الإنسانية.

• أن تكون ثقةُ المؤمن بربه أعظم من ثقته بنفسه وبالناس؛ وخير ما يمثِّل هذه الحقيقة: مخاطبةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم _ وهو مطارَد في الصحراء تُغري قريش من يمسك به بمئة بعير _ لسُراقة بن مالك: كيف بك إذا لبست سِوَارَيْ كسرى!.

• أن التواضع سِمة العظماء وأهل الفضل، وأن الأمَّة تكبر بالتواضع وتضمحلّ بالاستكبار، فقد دخل سيّد البشرية إلى المدينة وليس معه جندٌ ولا خدمٌ ولا حشم؛ بل رجل واحد.

• أنّ المؤاخاة؛ هي مؤاخاة الدين والعقيدة، قبل الجنس والوطن، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحدٌ، وإن أباكم واحدٌ، ألا لا فضل لعربيّ على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى..)) – مسند أحمد – والمؤاخاة في المدينة كانت مضرب المثل على مرّ العصور، فقد كان الأنصاريُّ يفتح بيته ويقسم مالَه وأثاثَه، ويشرك المهاجر في أعماله.

• أنّ المؤاخاة؛ تورث العمل وتنفي الجدل، وتقتضي انصياع النفس لهذا التصوّر: (أذلّةٍ على المؤمنين أعزّةٍ على الكافرين). وليس أن نكون حُمْلانَ وديعةً مع الأعداء،نَهَبهُم الأرض والعرض والوطن، وثيرانَ هائجةً شديدة البأس مع أهلنا وأبناء أمّتنا.

• أن الهجرة استكمالٌ لنيل الفضائل وحفاظٌ على الأنَفة والكرامة، وليس مجاراة الأعداء ومداهنتهم، والتنازل في ديننا وقيمنا، فنغيِّرَ نُظمَ التعليم ونفتحَ المسارح والمعازف، ونحتفي بالعواهر والشواذّ، كل ذلك بحُجّة الحفاظ على وجودنا.. ألا فبئس الحُجّة هذه، قل هي إحدى الحُسنيين إما النصر وإما الشهادة، وما أنبلَ قولَ عنترة:

لا تسقني ماءَ الحياةِ بذِلَّة / بل اسقني بالعزِّ كأس الحنظِل

• أن العفو هو سِمة هذا الدين العظيم، وأنّ المهاجرين الذين عادوا إلى مكة فاتحين وقد أُخرجوا منها مسلوبي المال والأرض فيما مضى، لم يعودوا قتلةً منتقمين كما تفعل جيوش الغرب اليوم وهي تدَّعي الإنسانية وتتمثل زوراً تعاليم المسيح عليه السلام، و ما جاء في إنجيلهم: (رُدَّ سيفك إلى مكانه؛ لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يَهلِكون)، إنما عادوا رحماءَ يُطمئنون قريشاً من مخاوفها، وهم يقولون على لسان الرحمة المهداة للعالمين: ((ما تظنون أني فاعل بكم؟!.. اذهبوا فأنتم الطلقاء)).

• أن لا نثَّاقل إلى الأرض ونستحلي القعود، بل ننهض من وِثار اليأس وننفض دِثار الكسل لنعمل باذلين الغالي والنفيس في سبيل إيقاظ هذه الأمة النائمة والتائهة. إن ما بيننا وبين جيل الهجرة ليس المكان بين قريتين في الحجاز ولا زمن يقدّر بأربعة عشر قرناً ونصف، بل قرب النقلة المتمثلة بالسُّنة الإلهية: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

أخيراً: إنّ ذكرى الهجرة ليست حدثاً عابراً يجري كما تجري الأيام ثم يُنسى ويزول، بل هي استيلاد أمّة أكسبت البشرية عناصر قوتها وغيّرت وجه التاريخ. إنّ ذكرى الهجرة تاريخٌ صنع أحداثه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام فلا يليق بأبناء أمّته أن يُسأل أحدهم عن اليوم منه فلا يعرفه، ولا يليق لإعلامنا أن يتغاضى عن التذكير به.

إنّ ذكرى الهجرة مَعْلمةُ الخُطا العظيمة التي تركت على رمال البادية آثارَ أعظم حضارة أرسى مداميكها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بقلم: أ. طه ياسين | موقع إشراقات

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *