بعد نصف قرن.. أين وصلنا؟

قد مرَّ خمسون عاماً على النكسة التي وقعت في 5 حزيران 1967م، وقد احتلت إسرائيل في نهاية هذه النكسة: سيناء من مصر، والضفة الغربية من الأردن، والجولان من سورية، فما هو الوضع الآن بعد مرور نصف قرن على تلك النكسة؟

الأمور تزداد سوءاً، والعالم العربي يزداد استسلاماً لإسرائيل وتفكُّكاً، فقد وقَّعت دولتان عربيتان الصلح مع إسرائيل وهما: مصر عام 1977م، والأردن عام 1993م، وكذلك منظمة التحرير الفلسطينية وقَّعت اتفاق أوسلو مع إسرائيل عام 1993م الذي اعترف بإسرائيل دولةَ احتلال، لكن إسرائيل لم تعترف بحقِّ التقرير للشعب الفلسطيني.

ثمَّ جاء الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، ليُنهي الجبهة الشرقية المتمثلة في الجيش العراقي، ثم جاءت الاضطرابات في سورية لتجعل الجيش يتفكك، فبهذا أصبحت إسرائيل آمنة من جميع محيطها.

لم يكن احتلال إسرائيل للقدس عام 1967م هو أول احتلال لها، فقد احتل الصليبيون القدس عام 1099م، واحتلوا ساحل بلاد الشام جميعه، كما احتلوا مناطق واسعة في بلاد الشام وتركيا، ولكن مع ذلك بدأ أول انتصار عليهم عندما حرَّر عماد الدِّين الزنكي (الرُّها) عام 1144م من الصليبيين، وكان ذلك الانتصار بداية الصعود للقوى الإسلامية التي انتهت بمعركة حطين عام 1187م واسترجاع القدس.

وعند مقارنة الأوضاع في الفترتين نجد تبايناً كبيراً، فهناك انتصار كبير بعد 45 سنة على احتلال القدس، ثم كان هناك انتصار كبير في “حطّين” عام 1187م، وإنهاء للوجود الصليبي في المنطقة كلها بشكل نهائي. في حين أننا نجد على الجانب الآخر أنَّ إسرائيل ما زالت تتمدَّد وتتوسَّع وتتمكَّن بعد 69 عاماً من وجودها في فلسطين، فلماذا هذا الاختلاف في النتائج؟

• نجد أن الأسباب هي:

1. تصادم القيادات المعاصرة مع وحدة الأُمّة الثقافية وأبرزها الدِّين، في حين تصالحت القيادات السابقة معها.

وكانت الاشتراكية التي سادت في الستينيات هي الأيديولوجية التي تبنَّاها نظام عبد الناصر في مصر، ونظاما البعث في سورية والعراق، وتعتمد هذه الأيديولوجية على محاربة الدِّين في المجتمع ؛ لأنها تعتبره سبباً للانحطاط والتقهقر والتأخُّر، في حين أنَّ القيادات السابقة “كعماد الدِّين الزنكي، ونور الدِّين الزنكي، وصلاح الدين الأيوبي ” كانت متصالحة مع الدِّين.

2. النزعة التجزيئيّة عند القيادات المعاصرة، مقابل وجود النزعة التوحيدية عند القيادات السابقة.

تغلَّبت النزعات التجزيئية القِطرية في التعامل مع قضايا الأُمّة عند القيادات المعاصرة في جعل النتائج سلبية على أرض الواقع، ويمكن أن نضرب مثالاً على ذلك ما فعله جمال عبد الناصر في مؤتمر القمة العربي لعام 1964م؛ إذ أنشأ منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت مسؤولة عن القضية الفلسطينية، وبهذا تقزّمت القضية الفلسطينية، فبعد أن كانت قضية الأُمّة بعد الحرب العالمية الأولى وأسهم في القتال على جبالها السوري والعراقي واللبناني إلخ….، أصبحت عام 1964م خاصة بالفلسطينيين، وقيسوا على ذلك بقية القضايا.

في حين أن القيادات السابقة كانت ذات نزعة توحيدية، فبعد أن حكم عماد الدِّين الزنكي الموصل عام 521هـ، حكم حلب عام 522هـ، ثمَّ استولى على حماة في العام التالي، ثم حكم مصر عام 532هـ، ثم انتزع “الرُّها” من الصليبيين عام 533 هـ -1144م.

3. غياب الاستقلال الاقتصادي في العصر الحديث هو أحد عوامل خسارتنا للحرب، في حين تحقق الاستقلال الاقتصادي في الدولتين الزنكية والأيوبية.

لقد كان السبب المباشر لمعركة حزيران عام 1967م هو أنَّ مصر كانت تتلقَّى قروضاً مجانية من القمح من قِبَل أمريكا، ثم أوقفت أمريكا فجأة هذه القروض معاقبة لجمال عبد الناصر على بعض المواقف السياسية، فردَّ عبد الناصر على تلك الخطوة بسحب البوليس الدولي الذي كان يقف حاجزاً بين مصر وإسرائيل، فاعتبرت إسرائيل هذه الخطوة إعلان حرب، ثم وقعت النكسة.

لقد كان افتقاد الاستقلال الاقتصادي للدول العربية في العصر الحاضر هو أحد العوامل في ارتهان القرار السياسي والعسكري بيد الخارج، لكننا نرى في المقابل أن الدولتين (الزنكية والأيوبية) صاغتا اقتصادهما ليكون في خدمة الدولة الحربية. فبعد أن كان الإقطاع الإداري هو السائد في الدولة السلجوقية، أصبح الإقطاع العسكري هو الخط الاقتصادي المتَّبع لدى الدولتين (الزنكية والأيوبية)، وهو الأنسب لتجييش الجيوش في مرحلة مواجهة الصليبيين.

الخلاصة: هذه هي العوامل التي جعلت ميزان القوة والانتصارات تبدأ بعد 45 عاماً لدى الدولة الزنكية، فحرَّرت “الرُّها” عام 1144م. في حين مرَّ على النكبة 69 عاماً، وعلى النكسة 50 عاماً؛ ولم تستطع الدولة العربية المعاصرة أن تحرِّر شبراً واحداً مما احتلته إسرائيل. ليس هذا فحسب؛ بل إنَّ الأمور تسير من سيء إلى أسوأ في الوقت الحاضر!!

 

بقلم: د. غازي التوبة

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *