هل عبارات التسخُّط على القدر تعتبر رِدَّة عن الإسلام

فتوى رقم 5286 السؤال: هل التلفظ بعبارات التسخط على القَدَر والتسخُّط على البلاء تعتبر ردَّة وتفسخ عقد الزواج..جزاكم الله خيراً

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

بدايةً، فإنَّ الأصل أن الحكم على المسلم بالرِّدَّة -بالكفر- أمر خطير يحتاج أولاً إلى تبيان نصِّ ما تكلَّم به الشخص نفسُه – وليس كلاماً عامَّاً عن التسخُّط- وسؤاله عن قصده،  وهل كان يعي ما يقول ؟ ثم بعد ذلك سؤال أهل العلم، ومن ثَمَّ يُبنى على الشيء مقتضاه، ولذلك ننبِّه السائل إلى خطورة الخوض في هذه المسائل قبل الحصول على الإجابة عن هذه الأسئلة،  والتي منها تكفير الزوج !!!. وليعلم أن التسخُّط على أقدار الله تعالى حرام ومنكر ولا يُعَدُّ كفراً إلا بشروط، والمسلم واجب عليه الصبر والرضا بقَدَر الله تعالى والتسليم له عزَّ وجلَّ، قال الله تعالى:( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) ]سورة التغابن الآية:11[ يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسيره عند هذه الآية :”سُئل التابعيُّ علقمةُ عن هذه الآية فقال :” هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضىَ ويسلِّم “انتهى. وروى الترمذيُّ وابن ماجه في سننَيْهما عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ”. وليُعلم أن التسخُّط المؤدِّي إلى الكفر هو الذي فيه جحود وتكذيب وبغض لأفعال الله وقدرته وعدله، واعتقاد أن ما قدَّره الله ظلم، كلُّ ذلك يُعد رِدَّةً عن الإسلام إن كان قائلُه قاله وهو عاقل مدرك لما يقول، أو اعتقده. قال الله تعالى: ( يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) ]سورة آل عمران الآية: 154[ ونقل العلَّامة البغويُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه”معالم التنزيل” عند تفسيره لهذه الآية عن :” عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال : (يظنُّون بالله غير الحقِّ ظنَّ الجاهلية) يعني : التكذيب بالقَدَر.”انتهى. وقال تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ]سورة الأنبياء الآية: 23 [وقال تعالى : (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) ]سورة الفجر، الآية:15و16[  وأخرج الإمام أحمدُ في مسنده عن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ -رضي الله عنه- قال :” إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَتَصْدِيقٌ بِهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ. قَالَ: أُرِيدُ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ. قَالَ: أُرِيدُ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: لَا تَتَّهِمِ اللَّهَ فِي شَيْءٍ قَضَاهُ لَكَ“.

 وعليه: فإن كان كلام الشخص الصادر عنه التسخُّط على أقدار الله يتضمَّن تصريحاً بجحود وتكذيب وبغض لأفعال الله وقدرته وعدله، واعتقاد أنَّ ما قدَّره الله فيه ظلم، كلُّ ذلك يُعَدُّ رِدَّةً عن الإسلام، إنْ كان قائلُه قاله وهو عاقل مدرك لما يقول. وأمَّا إن كان التسخُّط مقتصراً على شقِّ الجَيْبِ ولطم الوجه، وتضجُّر مما أصابه ونحوه… فهذا لا يُعَدُّ كفراً بل هو معصية توجب التوبة على فاعلها.

وأما ما يتعلق بعقد زواج المرتدِّ فهذه المسألة فيها تفصيل عند الفقهاء. فما عليه فقهاء الشافعية هو أنَّ عقدَ زواج -المدخول بها – يصير موقوفاً، حالَ رِدَّةِ أحد الزوجين، فلا يَحِلُّ للزوجة المسلمة أن تكشفَ شيئاً من بدنها لزوجها المرتدِّ -الكافر- أو تمكِّنه من معاشرتها حتى يرجعَ إلى الإسلام، فإنْ رجع قبل انتهاء مدة العدَّة الشرعية، عاد عقد الزواج ولا يحتاج الزواج إلى عقد جديد. قال الإمام ﺍﻟﻨﻮﻭﻱُّ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- ﻓﻲ كتابه “ﺭﻭﺿﺔ ﺍﻟﻄﺎﻟﺒﻴﻦ” (7/141-142): “ﻭﺇﺫﺍ ﺍﺭﺗﺪ ﺍﻟﺰﻭﺟﺎﻥ ﺃﻭ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﺗﻨﺠَّﺰﺕ ﺍﻟﻔﺮﻗﺔ، ﻭﺑﻌﺪﻩ -بعد الدخول- ﻧﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌِﺪَّﺓ؛ ﻓﺈﻥْ ﺟﻤﻌﻬﻤﺎ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻡ ﻗﺒﻞ ﺍﻧﻘﻀﺎﺋﻬﺎ ﺍﺳﺘﻤﺮَّ ﺍﻟﻨﻜﺎﺡ، ﻭﺇﻻ‌ بانَ ﺣﺼﻮﻝُ ﺍﻟﻔﺮﻗﺔ ﻣﻦ ﻭﻗﺖ ﺍﻟﺮِّﺩَّﺓ. ﻭﻓﻲ ﻣﺪﺓ ﺍﻟﺘﻮﻗُّﻒ ﻻ‌ ﻳَﺤِﻞُّ ﺍﻟﻮﻁﺀ… ﻭﻟﻮ ﻃﻠَّﻘﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺪﺓ ﺍﻟﺘﻮﻗُّﻒ، ﺃﻭ ﻇَﺎﻫَﺮَ ﻣﻨﻬﺎ، ﺃﻭ آﻟﻰ، ﺗﻮﻗَّﻔْﻨﺎ؛ ﻓﺈﻥْ ﺟﻤﻌﻬﻤﺎ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻡ ﻗﺒﻞ ﺍﻧﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻌِﺪَّﺓ ﺗﺒﻴَّﻨﺎ ﺻﺤَّﺘَﻬﺎ، ﻭﺇﻻ‌ ﻓﻼ‌.. “انتهى ﺑﺎﺧﺘﺼﺎﺭ.

 تنبيه: نكرر التحذير من المسارعة إلى تكفير المسلم المتسخِّط على الإطلاق، وما ذُكر في الفتوى عن رِدَّةِ الزوج متوقِّف على سؤال الزوج المسلم من قِبَل أهل العلم عمَّا قاله وأراده واعتقده في ذلك. والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *