حكم الصبي الذي قَتَل دون سنِّ البلوغ
فتوى رقم 5239 السؤال: غلام دون البلوغ قتل صاحبَه بالخطأ، فما الذي يجب على هذا الغلام؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق: قبل الإجابة المباشرة لا بدَّ من توضيح مهم، ينبني عليه حكم المسألة، جاء في الموسوعة الفقهية (7/151 ) ملخَّصاً :” أنَّ للصبي الممِّيز أحكاماً خاصة -تبدأ ببلوغه سبع سنين قمرية وهو سنُّ التمييز كما حدَّده جمهور العلماء، وتنتهي هذه المرحلة بالبلوغ، وتشمل المراهق وهو الذي قارب البلوغ- وذلك بسبب نقصٍ في أهلية الأداء لديه كما يسمِّيها أهل العلم، ففي هذه المرحلة يصبح عند الصبي مقدارٌ من الإدراك والوعي يسمح له بمباشرة بعض التصرُّفات، فتثبت له أهلية الأداء القاصرة؛ لأن نموه البدني والعقلي لم يكتملا بعد، وبعد اكتمالهما تثبت له أهلية الأداء الكاملة؛ لأن أهلية الأداء الكاملة لا تثبت إلا باكتمال النمو البدني والنمو العقلي، فمن لم يكتمل نموُّه البدنيُّ والعقليُّ معاً، أو لم يكتمل فيه نمو أحدهما فأهلية الأداء فيه تكون قاصرة. وللتمييز أثرُه في التصرُّفات، فالتصرُّفات التي يباشرها الصبيُّ الممَيِّز، إما أن تكون في حقوق الله تعالى، وفي هذه الحالة إما أن تكون تلك الحقوق عباداتٍ وعقائدَ، أو حقوقاً مالية، أو عقوبات. وإما أن تكون تلك التصرُّفات في حقوق العباد، وهي إما مالية أو غير مالية، وباختصار، فحقوق العباد المالية كضمان الـمُـتلَفات وأُجرة الأجير ونحو ذلك فإنها تجب في مال الصبي. وأما ما كان منها عقوبةً بدنية كالقصاص، فإنه لا يجب عليه – يعني الصبي- القِصاص باتفاق الفقهاء؛ لأن فعل الصبيَّ لا يُوصف بالتقصير، فلا يصلح سبباً للعقوبة البدنية لقصور معنى الجناية في فعله، ولكن تجب في فعله الدِّية؛ لأنها وَجَبَتْ لعصمة المـَحَلّ، ووصف الصِّبا –أي كونه صبياً-لا ينفي عصمة المـَحَلّ؛ ولأن المقصود من وجوبها المال.”انتهى بتصرف يسير.
وقد ذكر الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحبُ الإمام أبي حنيفة -رحمهما الله- في كتابه “الأصل” (7/14) القاعدة الفقهية: أن “عَمدُ الصَّبيِّ وخَطَؤُه سَواءٌ” ، وأشار إلى ذلك الفقيه الحنبليُّ ابن قدامة المقدسيّ -رحمه الله- في كتابه “المغني”(9/320و321). واتفق الفقهاء على أن الدِّية واجبة على العاقلة؛ وعاقلة الإنسان هم عَصَبته، وهم الأقرباء الذكور من جهة الأب، كالأعمام وبَنِيهم، والإخوة وبَنِيهم، وتُقسم الدِّية على الأقرب فالأقرب، فتقسم على الإخوة وبَنِيهم، والأعمام وبَنِيهم، ثم أعمام الأب وبَنِيهم، ثم أعمام الجد وبَنِيهم؛ وذلك لأن العاقلة هم العَصَبة فإن لم يكن ثمَّة عَصَبة فبيت المال، فإن لم يوجد فتكون في مال القاتل فإن تعذَّر سقطت الدِّية. ونصَّ الفقهاء منهم الحنفية والشافعية والحنابلة -في كتبهم المعتمدة في مذاهبهم- :”أنه إذا لم تدفع العاقلة الدِّية فليس على القاتل دفعها. وإذا لم يكن له عَصَبة فإنها تكون في بيت المال، فإن لم يوجد فتكون في مال القاتل. ” ملخَّصاً من حاشية ابن عابدينَ (5/412)، والمغني لابن قدامة الحنبليِّ (9/524و525و526).
وجاء في الموسوعة الفقهية (27/33) :” وكذا لو قتل إنساناً.” ونصَّ الحنفية على وجوب الدّية في مال الصبيِّ إن كان له مال “الفتاوى الهندية (2/142و143)” وذهب أكثر أهل العلم على وجوب الكفَّارة على الصبيِّ. فقد نصَّ الحنابلة -في كتبهم المعتمدة- كما في “المغني” (8/513)-: “وإذا قُتِل الصبيُّ والمجنون، وجبت الكفَّارة في أموالهما” انتهى. والشافعية نصُّوا في “أسنى المطالب” (4/95): ” (ويعتق الوليُّ عنهما –الصبيِّ والمجنون- من مالهما)، كما يُخرج الزكاة عنهما منه. (فلو عُدم) مالُهما، (فصام الصبيُّ) المميِّز عن كفارته: (أجزأه)؛ بناء على إجزاء قضائه الحجَّ الذي أَفسده” انتهى. وكفَّارة القتل، عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المـُخِلَّة بالعمل والكسب، فإنْ لم يجد فصيام شهرين متتابعَين. ودليل ذلك قول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَل َمُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا )[ سورة النساء: الآية92[.وقال الخَرَشي في “شرح مختصر خليل”(8/49):”ولو أُعسر كُلٌّ [الصبيُّ والمجنون]: فالظاهر أنه يُنتظر البلوغ والإفاقة؛ لأجل أنْ يصوما” انتهى.
وعليه: فالواجب في الصبيِّ المميِّز الذي قتل عن طريق الخطأ الدِّيةُ والكفَّارة، فأما الدِّية فعلى عاقلته، وإلا بأنْ لم يكن له عاقلة، أو كانوا فقراء، أو عجزوا عنها، وإلا فعلى بيت المال-وهذا غير متوفر اليوم-، وإلا فتكون عليه إن كان له مال.








