حكم جمع الصلوات للمسلم في بلد يُمنع فيه من أداء الصلاة
فتوى رقم 5116 السؤال: سمعتُ من مصدر شرعي أنه يجوز الجمع بين الصلوات بشروط، من بينها: الخوف من فوات الصلاة، وألّا يتحوّل الجمع إلى عادة مستمرة.أنا أعيش في بلد يُمنع فيه أداء الصلاة في الأماكن العامة، وأحيانًا أكون في مشاويرَ طويلةٍ أو في مقرّ عملي، حيث يُحظر عليّ أداء الصلاة. حاولتُ الصلاة في أماكن مثل غرفة التنظيف أو غرفة تبديل الملابس، لكنني لا أشعر فيها بالطمأنينة، كما أخشى أن يُكتشف أمري.
فهل يجوز لي في هذه الظروف أن أجمع بين الصلوات بسبب هذا المنع والحرج؟ وإذا كان الجمع جائزًا، فهل يكون جمع تقديم (قبل الخروج من المنزل)، أم جمع تأخير (بعد العودة إلى المنزل)؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
بدايةً، فإنَّ الإقامة في بلد لا يستطيع المسلم فيه إظهار شعيرة الصلاة المفروضة والتي منها الجمعة، حيث لا يسمح له بأداء الصلاة لا في العمل ولا في الأماكن العامة لا تجوز، وقد اتفق أهل العلم على وجوب الهجرة من ذلك البلد. قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) [سورة النساء، الآية 97]. وروى أبو داود في سننه أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ». قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- في كتابه “فتح الباري” (6/39): عن قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ»، قال: “وَهَذَا مَحْمُول عَلَى مَنْ لَمْ يَأْمَن عَلَى دِينه”. انتهى. وقَالَ الإمام الشَّافِعِيُّ -رحمه الله تعالى- في كتاب “الأم” (4/170-171): “وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْهِجْرَةِ عَلَى مَنْ أَطَاقَهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ فُتِنَ عَنْ دِينِهِ بِالْبَلَدِ الَّذِي يُسْلِمُ بِهَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أَذِنَ لِقَوْمٍ بِمَكَّةَ أَنْ يُقِيمُوا بِهَا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ مِنْهُمْ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَغَيْرُهُ؛ إذْ لَمْ يَخَافُوا الْفِتْنَةَ”. انتهى. وقال الفقيه ابن حجر الهيتميُّ -رحمه الله- في كتابه “تحفة المحتاج” (9/ 268): “إن أمكنه -أي المسلم- إظهارُ دينه؛ لشرفه أو شرف قومه، وأَمِنَ فتنةً في دينه، لم تجب -عليه الهجرة من بلاد غير المسلمين- لقدرته على إظهار دينه”. انتهى.
وأما بالنسبة لتأدية الصلاة المفروضة، فلا مانعَ من جمع الظهر في وقت العصر، والمغرب في وقت العشاء، حتى يتمكن من مغادرة تلك البلاد، خشيةً على دينه. والله تعالى أعلم.








