حكم المال المكتسب من الغناء المحرَّم وتوزيعه على الفقراء بعد التوبة

فتوى رقم 5006 السؤال: ما حكم المال الذي يكسبه المغنِّي من الغناء المصحوب بالمعازف المحرمة؟ وهل يجوز التصدُّق به على الفقراء، خاصة إذا تاب المغني؟ وهل يأثم مَن يحثُّه على التصدُّق أو على صرف هذا المال في مصالح الفقراء والمحتاجين؟

الجواب، وبالله تعالى التوفيق:

لا شكَّ بأن مال المطرب والمغنِّي الذي يشتمل غناؤه على المحرَّمات كالمعازف المحرَّمة اكتُسب بطريقة محرَّمة، فإنْ خلا غناؤه عن المحرَّمات كالمعازف المحرَّمة فلا يُعَدُّ حراماً. قال الفقيه ابن عابدين الحنفي -رحمه الله- في كتابه “رد المحتار على الدر المختار” (6/424): “من السُّحْتِ ما يأخذه أصحاب المعازف، ومنها -كما في “الـمُجتبى”- ما تأخذه المغنِّية على الغناء”. انتهى. وأما بالنسبة للتصدُّق بهذا المال، فالصدقة لا تُقبل إلا إذا كانت من كَسْبٍ طيِّب؛ لحديث البخاريِّ ومسلم في صحيحَيْهما، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: “مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ”. وفي لفظٍ للبخاري :”وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ”. وقد نصَّ بعض الفقهاء -ومنهم السادة المالكية، وبعض الشافعية- على أن الحرمة في هذا المال ليست لذاته بل لأمر خارجي وهو الغناء؛ لأن المغنِّي أخذه برضا صاحبه، بخلاف المال المحرَّم لذاته كالمسروق. وقد نقل الإمام النوويُّ -رحمه الله- في كتابه المجموع (9/351): “عن الإمام الغزالي -رحمه الله- أنه قال: إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه، فإن كان له مالك معيَّن وجب صرفُه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتًا وجب دفعه إلى وارثه، وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته فينبغي أن يصرفَه في مصالح المسلمين العامة، كالقناطر والرُّبَط والمساجد، ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدَّق به على فقير أو فقراء…وإذا دفعه -أي المال الحرام- إلى الفقير، لا يكون حرامًا على الفقير؛ بل يكون حلالًا طيبًا (أي للفقير) قال: وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع، ذكره آخرون من الأصحاب، وهو كما قالوه، نقله الغزالي أيضًا عن معاويةَ بنِ أبي سفيان، وغيرِه من السلف، عن أحمدَ بنِ حنبل، والحارث الـمُحاسِبي، وغيرهما من أهل الورع، لأنه لا يجوز إتلاف هذا المال ورميه في البحر، فلم يبق إلا صرفه في مصالح المسلمين، والله سبحانه وتعالى أعلم”. انتهى.

وعليه: فالمطلوب من المغنِّي أن يتوب إلى الله، نسأل اللهَ له التوبة، وبالنسبة لصدقته فلا أجرَ له فيها؛ لأن ماله كَسَبه بطريق محرَّم لاشتمال غنائه على المحرَّمات، وأما ما تفعلينه أنت من أنك تحثِّينه على المساعدة، وتُنفقين هذا المال على فقراء ومساكين العائلة، فلا حرجَ فيه، وقد بينَّا ذلك من خلال أقوال أهل العلم. والله تعالى أعلم.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *