مقاصده العامّة.. الغائب الأكبر!

بياناً لأهمية مقاصد (الحجّ) ومكانتها أقول: لو حقّقت أمّتنا مقاصد هذه العبادة لأصبحت أمّة عظيمة، مَهِيبة الجانب، موحّدة الصف، عالمية الرسالة، وربّانية الوِجهة..

وما ورد في فضلها وعظيم ثمراتها عن الرسول صلى الله عليه وسلّم صحيح أنه للإغراء بالاهتمام بأدائها والرغبة في ثوابها على الصعيد الفردي، ولكنه أيضاً لإيجاد الحافز للأُمّة لتحقق مجتمعةً بأداء أفرادها لمناسكها المقاصدَ المرجوّة والمنافع المنشودة التي تبوّئها مكانتها العالمية.. ولو لم يَرِدْ في فضلها وبيان أهمّيتها والإغراء بعِظَم ثوابها إلا ما ذكره نبيّنا صلى الله عليه وسلّم في حديثين صحيحين: “الحجّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة” و”من حج فلم يرفُث ولم يفسُق رجع كيوم ولَدَتْه أمُّه” لكانا كافيَيْن في الدلالة على عِظَم أهمية هذه العبادة وكبير فضلها وثوابها وفي التحريض على أدائها… فما بالُنا وكتب السنَّة محشوّة بحشود كبيرة من الأحاديث النبوية الصحيحة، ما يوسّع لدى خاصّة المسلمين آفاق التفكير بالمنافع التي يجب أن يسعَوْا لتحقيقها من هذا النُّسُك الجماهيري الضخم ؟!!

وكم تُعجبني لفتات الإمام المربّي القدوة الفقيه الحافظ ابن رجب رحمه الله التربوية ولمحاته الذكية التي أودعها في كتابه العُجاب “لطائف المعارف” لتنبيه المسلم الذي فاته أداءُ هذه العبادة العظيمة إلى مسارات تحصيل مقاصدها الفردية والظفر بثمراتها الشخصية على طريق تزكية الأُمّة بأجمعها والارتقاء بها بالارتقاء بأفرادها.. في قوله رحمه الله: من لم يستطع الوقوف بعرفة فليقف عند حدود الله الذي عرفه، ومن لم يستطع المبيت بمزدلفة فلْيَبِتْ على طاعة الله ليقرّبه ويُزلفه، ومن لم يقدر على ذبح هَدْيِه بمنِى فليذبَحْ هواه ليبلُغَ المُنى، ومن لم يستطع الوصول إلى البيت لأنه بَعيد فليقصد ربَّ البيت فإنه أقرب إليه من حبل الوريد!

إذ لا صلاح للأُمّةِ من دون صلاح أفرادها وفَهمهم لدينهم والارتقاء بأخلاقهم، ولا من دون صفاء نفوسهم! 

فإذا أضفنا إلى هذا المِدْماك من مداميك نهوضها: تحقيقَ المقاصد العامّة الكبرى التي لا تتحقق إلا بإرادة سياسية ويَقظة على مستوى القيادات والعلماء والمؤسّسات المجتمعية.. تحقَّقَ ما يريده الله لها من خير وعزّ، وعلى رأس تلك المقاصد:

1. إسلامية صِبْغتها، وإسلامية سلوكها، وإسلامية رايتها، وأن التوحيدَ هو أغلى ثرواتها، وهداية البشرية أعظم غاياتها، والاهتمام بالإنسان وحقوقِه على رأس أولويّاتها.

2.  وحدتها واجتماع كلمتها وتخلِّيها عن أنانيّاتها وتفرّقها.

3. تدارُس قياداتها وعلمائها لقضاياها ووضع الحلول لمشكلاتها في مؤتمرات التلاقي والمناقشة في أيام ما قبل الوقوف بعرفة وفي أيام منى.

هذه المقاصد الثلاثة العامّة الكبرى التي يجب أن تتحقق على مستوى الأُمّة هي الغائب الأكبر عن مجتمعاتنا اليوم ومنذ أكثر من قرن، لكنْ قررت أجيال تتالتْ من الدعاة والعلماء أن تعمل على إحيائها في واقع مجتمعات المسلمين من جديد والمناداة بها ونُصْح العامّة بوجوب السعي لتحقيقها وقد نذروا أنفسهم لهذا الفداء المبارك في مواجهة شرسة مكشوفة أخلصوا فيها دينهم لله واستعدوا للغالي والنفيس مغرِّدين: 

رســــولَ الله طِــبْ نفســــاً بطائفــةٍ * باعــــوا إلى الله أرواحــــاً وأبدانــــا

بذلـوا ضريبتهـم للــدين من دَمهِــم * والنــاسُ تزعمُ نصـرَ الديـن مجّانـا

أعطَوْا ضريبتهم صبـراً على مِحَنٍ * صـاغَت بــلالاً وعمّــــاراً وسَلمــــانا

والليـــــل يعرفهــــم عُبّـــــاد هجعتِــهِ * والحربُ تعرفهم في الرَّوْع فُرسانا

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *