الصَّحابِيَّة البَحّارة أُمُّ حَرَام تفتح قُبرص - الصحابة في لبنان(9)

الصَّحابِيَّة البَحّارة أُمُّ حَرَام تفتح قُبرص – الصحابة في لبنان (9)

ستكون سلسلتنا هذه “الصحابة في لبنان” نافذة إلى التاريخ المجهول المهمَّش، جُمِعتْ جزئياته الممتعة المدْهشة التي تُجيب على أسئلة كثيرة؛ منها: كيف وصل الإسلام إلى لبنان؟ هل دخل الصحابة والصحابيات إلى هذه الأرض؟ وما أسماؤهم؟ أين نامت التفاصيل الرائعة لتلك الحقبة المضيئة؟

لي مع هذه الحلقة قصة! فقد سمعت من أستاذي الحبيب الشيخ خالد كنعان عافاه الله آلافَ الأحاديث النبوية على مقعد الدراسة في أزهر البقاع، إلا أن أحد تلك الأحاديث حيّرني؛ فقد سمَّى النبي ﷺ البحر “الأبيض المتوسط” بـ “البحر الأخضر”! ولما سافرت جوّاً إلى العمرة طِرنا في طريق العودة فوق هذا البحر متوجهين إلى بيروت وإذا بنا فوق بحر أخضر كما وصفه الصادق المصدوق ﷺ!

فأيُّ حديث هذا؟ وما علاقته بـ”الصحابة في لبنان”؟

كادَ سيدُنا معاوية رضي الله عنه يطير فرحاً عندما وصله جواب الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه يأذن له بغزو البحر، أي بتأسيس قوة بحرية عسكرية للمرة الأولى في الجيش الإسلامي، ولطالما انتظر أمير ولاية الشام “معاوية” هذا الإذن، فقد ألحّ على الخليفة الثاني عمر رضي الله عنه فلم يأذن له حرصاً على أرواح المسلمين الذين لم تكن لديهم الخبرة في هذا المجال وكتب إليه يجيبه: “… وتالله لَمسلمٌ أحب إليّ مما حَوَت الرومُ، فإياك أن تَعْرِض لي، وقد تقدمت إليك” (1).

وقد وقع ما كان يحذره معاوية من خطر الروم بناء على سيطرتهم على البحر الأبيض المتوسط؛ فقد أعادوا احتلال الإسكندرية سنة 25هـ. وتأكد له أنه لا بد من السيطرة على البحر لحماية الثغور، وتمهيداً لفتح أوربا خاصة القسطنطينية التي بشر بها رسول الله ﷺ، فلم يَزَل بعثمان يكرر الطلب حتى أَذن له لكن بشرطين:

1. أن يشارك معاوية شخصياً وأفراد أسرته ليطمئن الخليفة عثمان إلى كون هذه الخطوة آمنة.

2. ألا يُلزم أحداً مِن جنود المسلمين بالمشاركة في العمليات البحرية، بل يخوضها المتطوعون.

وكَلَمْح البصر أصدر معاوية قرار استكمال صنع سُفن “الأسطول الإسلامي الأول” في دار الصناعة بميناء طرابلس (2)، حيث تتوافر أخشاب الصنوبر اللبناني القوي والبلوط والعرعر التي تصلح لبناء السفن. بالإضافة إلى استصلاح السفن التي غنمها من البيزنطيين. وعندما أُنْجز المشروع فَتَح باب التطوع سنة 28هـ- 649م (3) فبادر لذلك المسلمون رجالاً ونساءً نيلاً لشرف البشارة النبوية التي أُطلقَتْ من بيت الصحابية أم حَرَام بنت مِلحان رضي الله عنها التي رَوَتْ أن رسول الله ﷺ استيقظ من قيلولته نهاراً “وَهوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: ‏”‏عَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ الأخضر، كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ‏”‏‏.‏ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ‏.‏ فَقَالَ: ‏”‏أَنْتِ مَعَهُمْ‏”‏‏.‏ ثُمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا‏.‏ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ‏.‏ فَيَقُولُ: ‏”‏أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ‏”‏. فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا غَازِيًا أوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ” (4).

وقد أمَّر معاويةُ على البحر عبدَ الله بن قيس الجاسي فأبحر مِن ميناء عكا قبل صلاة الجمعة بأسطول مكون من نحو 120 سفينة، فرسَوا على ساحل قبرص وأغاروا عليها حتى اضطروهم إلى طلب الصلح من معاوية الذي أجابهم إليه بشروط؛ أهمها: ألا يقاتلوا المسلمين، ولا يعاونوا الروم على ذلك، بل عليهم أن يبلّغوا المسلمين بما يهدد أمنهم من تحركات الروم، وأن يعيِّن المسلمون عليهم قائداً من أنفسهم، وأن يدفعوا الجزية (5).

وكان معظم المشاركين في هذه الحملة الأولى من الصحابة كما يقول الحافظ ابن حجر. وقد حُفظ من أولئك الصحابة: عبادة بن الصامت، وزوجته أم حرام بنت ملحان، ومعاوية بن أبي سفيان، وأولاده، وزوجته فاختة بنت قرظة وغيرهم.

وفي طريق العودة إلى بلاد الشام قُدِّمت لأم حرام دابة لتركبها إلى المرفأ، فحاصت الدابة فسقطت عنها على عنقها فماتت شهيدة رضي الله عنها. وهكذا تحققت النبوءة الصادقة للرسول ﷺ فشاركت أم حرام مع “الأوّلين” واستُشهدت بُعيد المعركة فلم تشارك في الغزوات التالية! “ولا يزال قبرها حتى الآن في مدينة ليماسول القديمة القريبة من مدينة لارْنَكا، والمسلمون الأتراك يعرفون قبرها ويسمونه: قبر المرأة الصالحة” (6).

ولا شك أن في هذا الحديث مفخرة لأم حَرام (أخت أم سُليم، خالة أنس بن مالك) وهي نموذج للمرأة المسلمة الطموحة الشجاعة المستعدة للتضحية في سبيل الله حتى الشهادة، متطوعة مع زوجها في الجيش للأعمال اللوجستية دون تفريق بين البر والبحر. ومما يؤكد تعلق أم حرام بالجهاد روايتها لأحاديث فضائله خاصة غزو البحر؛ فقد سَمِعَت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: “أوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أوْجَبُوا”‏‏.‏ قَالَتْ أمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أنَا فِيهِمْ‏؟‏ قَالَ: ‏”‏أنْتِ فِيهِمْ‏”‏‏.‏ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ‏”‏أوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ‏”‏‏.‏ فَقُلْتُ: أنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ‏.‏ قَالَ: ‏”‏لاَ”‏(7)‏‏ .

كما حَقَّق المسلمون بأسطولهم الناشئ نصراً مذهلاً على الأسطول البيزنطي التليد الذي طالما سيطر على حوض البحر الأبيض المتوسط (أو الأخضر كما يسميه رسول الله ﷺ) في معركة ذات الصواري، بـ200 سفينة فقط أبحرتْ مِن طرابلس مقابل 2000 سفينة بيزنطية في معركة عظيمة يضيق مثل هذا المقال عن تفاصيلها.

كما أن مدينة صيدا كانت منطلق الأسطول الإسلامي الذي فتح جزيرة رودس سنة 33هـ.

وبهذا تتضح الأهمية الإستراتيجية لساحل بلاد الشام خاصة لبنان، ودوره في انطلاق الفتوحات إلى جزر البحر الأخضر وأوربا.

====

1. الطبري (محمد بن جرير)، تاريخ الأمم والملوك، مستهل أحداث عام 28هـ.
2. تدمري (عمر)، الصحابة في لبنان، ص 163.
3. هذا التاريخ الذي صححه الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” عند شرح حديث أم حرام الآتي.
4. رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب رُكُوبِ الْبَحْر، الحديث رقم: 2932. ورواه مسلم وغيرهما أيضاً.
5. كثير من التفاصيل المتناثرة عن: تدمري (عمر)، لبنان من الفتح الإسلامي حتى سقوط الدولة الأموية، من ص 57 إلى 61، وغيرها.
6. تدمري (عمر)، الصحابة في لبنان، ص 160. ونقل عن الرحالة الهَروي أنه رأى قبرها.
7. رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب مَا قِيلَ فِي قِتَالِ الرُّومِ.

بقلم: الشيخ يوسف القادري

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *