التَّعَايُشُ وأَعْيَادُ غَيْرِ المُسْلِمِيْنَ

كلَّ سنةٍ تتكرر بعض الأسئلة، وتزيد إلحاحاً كلما عُلِّق “بابا نوال” في بعض محلات الهدايا والألعاب في الشهر الأخير من السنة الميلادية “كانون الأول”، فيُقال على سبيل الاستفسار أو الاستغراب:

هل يحرِّم الإسلام على المسلمين الاحتفال أو المشاركة في أعياد غير المسلمين؟
وهل يجيز الإيمان تهنئة المسلم لغير المسلم بأعياده معاملةً بالمثل وحسن العِشرة؟
وهل يجوز لِمسلم بيع الشعارات الدينية والأشياء الخاصة بأعيادهم الدينية؟
وهل يمنع الإسلامُ المسلمين من التعايش مع غيرهم ومن الانصهار الوطني؟

يمكننا التعرف إلى الإجابة على هذه الأسئلة إذا انطلقنا من هذه المبادئ الإسلامية:

1. تَمَيُّز الشخصية الإسلامية:

إن الإسلام لم يحصر تعاليمه في نواحٍ قليلة جزئية تترك فراغًا في شخصية المسلم ليملأها بما شاء من الأديان والفلسفات! بل الإسلام مَنْهج ربّاني شامل لا يقبل التجزيء ولا الاشترك، ويربي أتباعه على: الاستقلاليةِ في مصدر التلقي (القرآن الكريم والسنة النبوية)، وعلى التميزِ في الشخصية عمومًا بمخالفة غير المسلمين، قال الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ…) [الحديد: 16] وهذا نَهْيٌ عن التشبهِ باليهود والنصارى وتقليدِهم على الإطلاق، وهو محمول على ما لديهم من عقائدَ وعباداتٍ وأخلاقٍ تُخالف الإسلامَ وعاداتٍ وتقاليدَ تختص بهم. ويمكنك التوسع في أدلة وجوب هذه الاستقلاليةِ وهذا التميزِ في مقالات المنتدى: (الإمَّعيّة والتميُّز) و(الغالب والمغلوب) و(الإسلام نَسِيْجٌ وَحْدَه).

2. العيد مَظْهَرٌ عَقَائدي:

يدل على الانتماء، وهذا مُشاهَد فكثيرون هم أولئك الذين لم تَعُدْ تربطهم بأديانهم إلا خيوط قليلة، منها الأعياد. وهو لَهْو مؤثر يغرس القيم والمفاهيم. ومما يدل على النهي عن التشبه بأعيادهم أو حتى عن ممارسة ما يُوْهِم ذلك: ما رواه أبو داود: “نَذَر رجل على عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَنْحَر إبلاً بـِ “بُوَانَة” [اسم مكان]. فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أَنْحر إبلاً بِبُوانة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وَثَن؟ قالوا: لا. قال: هل كان فيها عِيْد من أعيادهم؟ قالوا: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَوْفِ بِنَذْرك؛ فإنه لا وفاء لنَذْر في معصية الله”. ولاحِظْ كيف خَصّص للعيد سؤالاً بعد أن سأل عن العبادة الشِّركية. وأشار إلى أن الذبح لله في مكان كان خاصاً بأعياد غير المسلمين “معصية” رغم أنهيقصد عبادة الله!

3. العيد خُصُوصيّة دينية:

يُفهم ذلك أيضاً من الحديث السابق. ويَدُلّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه عندما استنكر غناءً بريئًا لبنتين صغيرتين في بيت عائشة رضي الله عنها يوم العيد، فقال صلى الله عليه وسلم له: “يا أبا بكر، إنّ لكل قوم عيداً، وهذا عيدُنا” رواه البخاري. ولاحِظْ تَشَابُهَ الأسلوب الفاصل المميز بين الإيمان وبين الكفر وبين ما ينبثق عنهما كالأعياد(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ *وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [سورة الكافرون] وهذه مفاصلة بين المسلم وبين دينِ الكافر وأعيادِه.

4. استعلاء المُسلم بدينه الحق:

فمِن المبادئ المسلَّمة عند كل مسْلم أن دينه هو وَحْده الدين الحق، وأن ما سواه أيًّا كان هو ضلال وانحراف عن الحقيقة وكُفْر، سواء أكان ذلك الدين الآخَر من اختراع البشر أصلاً، أو كان ذا أصل سماوي ربانيّ ثم طرأ عليه التغيير البشري فيما بعد. وسورة الفاتحة تذكّر المسلم بهذه العقيدة (فالصراط المستقيم [الإسلام]: يغايِردينَ المغضوب عليهم [اليهود] ودين الضالين [النصارى]). بل من أهم أهداف الرسالة الإسلامية نَشْرُ هذه الحقيقة وإظهار الإسلام على كل دين وتعريف غير المسلمين بأنهم باعتناقهم عقائد الكفر -أيًّا كانت- مخطئون “مُجْرِمون” في حق أنفسهم وفي حق “الحقيقة” وهم جميعًا مَدْعُوُّون للتعرف إلى الإسلام، ثم هم مُرَحَّبٌ بهم بين صفوف المسلمين إذا اقتنعوا بذلك دون إكراه. وإذا كانت هذه عقيدة المسلم فكيف يمارس عباداتهم ويحتفل بأعيادهم؛ قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ * قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) [الأنعام: 55، 56]. ومشاركة المسلم لغير المسلمين في عيدهم يؤدِّي إلى عكس ذلك فهو أتباع لأهوائهم يوهمهم ويُلَبِّس عليهم، فقد يظنون أن الإسلام وغيره سواء! وكل الأديان خير وبركة ما دام المسلم أيضاً يحتفل بأعيادِهم! فيكون فتنةً للكافرين وسبباً لاستمرارهم على الكفر ودخول النار.

5. المسلم يُقاطع مَجالس الكفر والمَعصية:

وهو لا يصل في علاقته مع غير المسلم -أيًّا كان- إلى درجة الموالاة، وإنّ فِعْل ذلك ولو لتحصيل مصالح وتحالفات نفاق يستحق العذاب؛ قال الله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً * وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) [النساء: 138، 140].

6. المسلم مُرَغّب بحسن العشرة:

لمن أحسن عشرته؛ قال الله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة: 8، 9]. فالعدل واجب مع كل إنسان ولو عدوًّا، أما البر فهو مرغوب به مع الكفار غيرِ المعادين للمسلمين. وقد مارس ذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حياته وفي دولة الإسلام التي أقامها في المدينة، فعاملهم ماديًّا واجتماعيًّا، وكان له خادم يهودي شاب فلما مَرِض زاره بنفسه(ودعاه إلى الإسلام فأسلم على فراش الموت)، وقد وضع الوثيقة (الدستور) نظَّم فيها حاجات أفراد وجماعات الدولة عمومًا؛ علاقة المسلمين فيما بينهم ومع غير المسلمين، وعلى ضوء تلك الوثيقة والممارسات العملية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم يمكن التعرف إلى الضوابط الشرعية “للتعايش”…

ولو كانت المشاركة في أعياد غير المسلمين وتهنئتهم فيها من التعايش المقبول أو البر المسموح لكان أسرع الناس إليه هو النبي صلى الله عليه وسلم كما تواصل معهم في المجالات الأخرى، أو على الأقل لأَرْسَل إليهم مَن ينوب عنه دَفْعًا “للحَرَج الاجتماعي”، ولَفَعَلَ ذلك أو أفتى به الصحابة وعلماء السلف الصالح، فلمّا تَرَك النبي صلى الله عليه وسلم تلك المشاركة أو التهنئة رغم وجود تلك الدواعي الاجتماعية الملِحّة دل ذلك على أن تَرْكه له مقصود، وعلى أن تلك الدواعي ليست مسوِّغًا للجواز.

على ضوء هذه المبادئ وغيرها يتبين أن:

– الاحتفال والمشاركة في أعياد غير المسلمين محرَّم على المسلم بل قد يصل به إلى الكفر والخروج من ملة الإسلام، حتى أفتى فقهاء الحنفية بأن من أهدى كافرًا هدية في عيدهم استحسانًا لعيدهم كَفَرَ!

– التَهْنئة لغير المسلمين بأعيادهم محرم كذلك، وللتقريب إلى الذهن فإنهاتشبه تهنئتهم بشرب الخمر أو الزنى أو الكفر! وللمسلم أن يعاملهم المعاملة الحسنة ويتعايش معهم في النواحي التي سمحت الشريعة بها. أما إذا كان “الانصهار“ هو أن يتنازل المسلم عن عقيدته أو يقلِّد دينَ غيره وتَتَميّع شخصيته وتضيع هُوِّيَّته فلا شك أنه مرفوض. فمن كان له جار نصراني مثلاً فليُحْسن معاملته طَوالَ العام، وعندها إذا لم يشاركه في الاحتفال بعيده أو تهنئته قد يكون استفهامه فُرْصةً لتعريفه بالإسلام، وبأن ما هو عليه ضلال وكُفر نهايته نار جهنم إن لم يؤمن.

– البَيْع لشعارات أعياد غير المسلمين لا يجوز شرعًا لأنه من باب نشر الكفر (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).

فلْيكن إسلامك خالصاً بعيداً عن الشركقال الله تعالى: (ألا لله الدِّين الخالص) ، واحذرْ أن تستخِفَّ بالمعاصي الكفر، أو أن تكون فِتنة ومضللاً للناس بدل أن تكون لهم داعياً وهادياً إلى نِعَم الإسلام.

الشيخ يوسف القادري

Leave a Reply

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *