كَفَى يَا طَنْطَاوِيّ (الحلقة الثالثة) مَعَ كلّ شَيء إلا “الإرهاب” الإسلامي”

 

عندما سئل الشيخ الطنطاوي عن العلمانية والليبرالية والإسلام السياسي قال: "علماني: عرفناها وسألتُ إخواننا الذين درسوا في الخارج، وأبلغوني أن العلماني: هو الذي لا يؤمن بدين" وهنا تتجدد المشكلة فما زالت مصادره حتى في تعريف المصطلحات "إخوانه".

 

هل هذا يليق بك وأنت في منصب شيخ الأزهر؟ كان يمكنك الرجوع إلى الموسوعة البريطانية مثلاً لتجد فيها تعريفين للعلمانية بدل من أن تبني أحكامك -وأنت في قِمة المناصب الإسلامية- على أقوال "إخوانك" سواء أكانت صحيحة أو مغلوطة. ولم نعرف رأيك في العلمانية خاصة بعد أن قلت: "الليبرالي والديمقراطي وتداول السلطة: هذه أشياء نوافق عليها… حاجة كويّسة" وقد حكمت بـ "كويسيتها" قبل أن تبين تعريف هذه الكلمات التي أشبه ما تكون بالطِّلَّسْم، لم يَتفق على معنًى لها حتى أهلها:
قال الأستاذ عبد الرحيم السلمي:(يقول الأستاذ وضاح نصر: "تبدو بلورة تعريف واضح ودقيق لمفهوم الليبرالية أمراً صعباً وربما عديم الجدوى. وفي حال تحديد الليبرالية نجد أن هذا التحديد لا ينطبق على عدد من الفلاسفة والمفكرين الذين سِيْموا بِسِمة الليبرالية".الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الثاني – القسم الثاني – ص 1155.
وقد قررت موسوعة لالاند الفلسفية الالتباس الحاصل في مفهوم الليبرالية؛ فجاء فيها 2/725: "نرى من خلال التعريفات السابقة مدى التباس هذا اللفظ. ومما يزيد في الالتباس استعماله الطارئ المتداول في أيامنا للدلّ على الأحزاب أو النزعات السياسيَّة".
وفي الموسوعة العربية العالمية 21/247: "تعتبر الليبرالية مصطلحاً غامضاً لأن معناها وتأكيداتها تبدَّلت بصورة ملحوظة بمرور السنين".
ولكنْ لليبرالية جوهر أساسي يتفق عليه جميع الليبراليين في كافة العصور مع اختلاف توجهاتهم وكيفية تطبيقها وسيلة من وسائل "الإصلاح" والإنتاج، هذا الجوهر هو: "أن الليبرالية تَعتبر الحرية المبدأ والمنتهى، الباعث والهدف، الأصل والنتيجة في حياة الإنسان،وهي المنظومة الفكرية الوحيدة التي لا تطمع في شيء سوى وصف النشاط البشري الحر وشرح أوجهه والتعليق عليه". مفهوم الحرية، عبد الله العروي، ص 39.
يُعتبر (جون ستوارت ملْ) من أبرز المفكرين الغربيين الذين نظّروا للفلسفة الليبرالية من خلال كتابه (في الحرية On Liberty) الذي أصبح المصدر الأساسي لفكر الليبراليين العرب من أمثال أحمد لطفي السيد، وطه حسين، وحسين هيكل.
ورغم أن الديمقراطية من إفرازات الليبرالية إلا أن (ملْ) ينتقد الديمقراطية لأنه يعتبرها هيمنة للأكثرية على حرية الأقلية ولو كان فرداً واحداً. يقول ملْ: "إن مشكلة الحرية تُطرح بإلحاح داخل الدولة الديمقراطية.. بقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية: ينقص ضمان الحرية الفردية". ويقول عن إنجلترا:"ليست هذه البلاد وطناً لحرية الفكر").
كيف تُوافق على هذه الأنظمة والفلسفات والعقائد الشبيهة بالهيولَى في غموضها مقتصرًا على اشتراط ألا تخالف حريةُ الرأي: "دينًا" ولا "قانونًا" ولا "عَقلاً". ومعلوم أن كلمة "ديناً" نكرة وهي في سِياق النفي فتَعُمّ. فهل تقصد كلَّ دين؛ ليكون الكلام "وطنيًّا" فيه مسايرة النصرانية في مصر، كما سايرت القانون؟ وكأنّ مهمتنا صارت الدفاع عن القوانين الوضعية وتعبيدَ الناس للمجالس التشريعية بغير ما أنزل الله وللديمقراطية (حكم أكثرية الشعب للشعب بما شاء ولو خالف الشريعة الإلهية)!
 إن مثل هذا العَرض يكرّس في أذهان غير المتعمقين في العقيدة والفكر الإسلامي – يرسخ في اعتقادهم أن الإسلام دين جزئي محصور في بعض الغيبيات والعبادات، أما إدارة الدولة والحياة فهذا الكلام يوهم أن هناك فراغًا في التشريع الإسلامي، يمكن -أو لا بُدَّ مِن- سَدّه بالفلسفات والأنظمة المستورَدة، أو أنّ تلك الفلسفات المستورَدة تحتاج إلى "تعديلات طفيفة" فقط لتصير مقبولة بالإسلام!
 أليس من شرط الإسلام أن يكون التدين خالصاً لله في كلّ شؤون الحياة: العقيدة والعبادة والمعاملات الاقتصادية والاجتماعيّة والسلوك للفرد والدولة… بعيداً عن كل ما سِوى الإسلام، قال الله تعالى: )وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ( [البينة: 5] مائلين عن الشرك إلى التوحيد، )وأنِ احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتَّبِع أهواءَهم واحذَرهم أن يَفتنوك عن بعض ما أَنزل الله إليك( [المائدة: 49] )ومَن يبْتَغِ غيرَ الإسلام دينًا فلن يُقبل منه(.
وما يدعو للعَجَب ويزيد الطين بِلَّة هو أنك تعاملت مع مصطلح "الإسلام السياسي" على العكس تمامًا من ذلك الترحيب الذي نالته الليبرالية والديمقراطية! وإذا كنت تعتبر أن هذا المصطلح فيه معانٍ إضافية انحرفَتْ عن الإسلام كان يمكنك على الأقل أن تُسَوِّيها بالديمقراطية فتقول: "هذه أشياء نوافق عليها، ومن يدعو إلى الإسلام دي حاجة كويسة"، ثم أن تشترط ألا يُخالف "دينًا" ولا "قانونًا" ولا "عقلاً"! هل الجماعات الإسلامية الداعية إلى تحكيم الشريعة أقل قيمة عندك من الديمقراطيين والليبراليين؟! وأحق بالعداء التام والحاسم؟
أليس من المُحزن أن يُسأل شيخ الأزهر عن تعريف "الإسلام" أو ما يسمى بـ"الإسلام السياسي" فتكون إجابته: "الإسلام ضد العنف، وضد الإرهاب…" إلى آخر المنظومة والأسطوانة الجديدة التي تجسِّد مدى الضغوط النفسية وعُقد النقص التي يستسلم لها بعض المسلمين.
واللهِ إني أخشى أن يكون كلامُك هذا قد ساهم في تنفير الناس من الإسلام وإحساسهم بأنه في "قَفَص الاتّهام" متورّط في جناية أو تَصَرُّف مُخِلّ بالآداب!
هل يرضى إنسان محترم أن يعرِّفه زميلُه "المحب" إلى الآخرين بمثل قول: هذا الزميل ليس خائنًا ولا جبانًا ولا زانيًا ولا سارقًا ولا قليل أدب…؟!
أليس من العار أن يكون هذا هو تعريفك السريع للإسلام أو ما يسميه البعض بالإسلام السياسي؟ وهل هكذا نستثمر فرصة أتيحت لنا لعرض ديننا لآلاف الناس؟ في الوقت الذي تُعتَمد أحدث الوسائل وأكثر الأساليب تأثيرًا مع مراعاة خصائص النفس الإنسانية: لِعَرْض الأفكار والأديان الهدّامة المنحرفة، وتُصوَّر على أنها دين العدالة والإنسانية والرحمة والمحبة، ومفتاح الطمأنينة والسعادة..! حتى التجار والباعة المتجوّلون المروّجون للمصنوعات الثمينة والتافهة: يخضعون لدورات في فن العرض ومهارات التسويق. ثم يأتي المتصدرون للتعريف بالإسلام متجاهلين حتى النصوص التي أوجزت رسالة الإسلام: )وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ( [القصص: 77]، )فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ! وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَى( [طه: 123، 124]، )يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ( [الأنفال: 24]، ورسول الله r يبين أن اعتدال الإسلام ليس سلبية ولا ذلاًّ، بل هو لِيْن من غير ضعف، وقوة من غير ظلم فقال r: "أنا نبي الرحمة، ونبي الملحمة"… والشيخ الطنطاوي حفظ القرآن في صغره كما قال، ألم يجد تعريفًا للإسلام غير أنه: ليس إرهابًا وليس عنفًا؟
 

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *