كَفَى يَا طَنْطَاوِيّ (الحلقة الأولى)

 

مقدمة – "وفاء" المُسْلمة باقتناع، المُرْتَدّة بالإكراه
تُصادِفُنا بين الفَينة والأخرى تصريحات ومواقفُ جديدة أو "قديمة جديدة" لشيخ الأزهر د. سيد طنطاوي، وكثيرًا ما تُصادِمُنا. ربما لأسباب؛ منها أن هذا المنصب يتصدى، أو ينبغي أن يتصدى للقضايا الشائكة والمصيرية الكبرى.
 

ومِن تلك التصريحات مقابَلة أجراها معه الأستاذ ماهر عباس في الرياض، نشرت على صفحات مجلة "المجلة" السعودية (العدد 1303 بتاريخ 30/1-5/2/2005 الموافق 18-24 ذو الحجة 1425هـ)، وكانت موضوعَ الغلاف والملفَّ الخاص الذي احتل 8 صفحات.
ورغم ما يجب أن يتركَّب عليه المسلمُ -وطالبُ العلم خاصةً- مِن الجرأةِ الأدبية وبَذْلِ النصيحة، فقد كان يعترض اندفاعي للتصدي لمناقشة ما صدر منه من أراء بعضُ التردد، لأكثر من سبب؛ منها المحافظة على "هَيبة" تلك المؤسسة العملاقة: الجامع الأزهر، "الهيبة" التي كادت تتلاشى. ثم استقر الرأي على التصدي لذلك بدافع التكليف الرباني والنبوي بالنصيحة، كما أن الشيخ الطنطاوي نفسه استنصح القراء قائلاً: "مَن يَجد خطأ يرشدنا إليه، ونحن نشكره على ذلك" وقد رحّب بـ "النقد البناء من أجل الوصول إلى ما يُصلح"، وذَكر أنه يؤمن بالحوار إيمانًا جازمًا مع البعيد والقريب والصديق والعدوّ والصغير والكبير.
ولا أَمْلك إلا إبداء تقديري للإمكانات الكبيرة التي أظهرها مُجْرِي المقابلة بِحَشْد موضوعات كثيرة وانتقاء المثير منها ومعرفته بالأقوال التي انفرد بها الشيخ الطنطاوي، والتي خالف بها علماء أو جماهير علماء الأمة، وربما إجماعهم! وإليك العناوين التي استخرجتها المجلة من تلك المقابلة مع الشيخ الطنطاوي لتتصوّر مَدى الزوبعة التي قد تحدثها:
        البنوكُ التي تحدد الأرباح، والتأمينُ بكل صوره: حلال.. حلال.. حلال..
        أَسْتَمع للأغاني.. وضد التسيب والتشدد، ومع الاعتدال.
        إذا قالت فرنسا ورأت أن توحّد الزي في مدارسها.. فهو كلام متوازن.
        لماذا أخاف من مقابلة الحاخام.. هل بِعت له ديني؟!
        هذه قصة "وفاء" المسيحية.
        جبهة علماء الأزهر سياسية.. وانتهت.
        ما يحدث في العراق ليس جهادًا..
        وأنا ضد الحوار في العقائد!
        الليبرالية والديمقراطية وتداول السلطة أشياء نوافق عليها…
إلى غير ذلك مما عمل في نفسي ما عمل في نفسِك ونفسِ الآلاف الذين قرأوا المقابلة. وسأحاول مناقشة هذه الأفكار ومُستَنَداتها بمثل الاختصار الذي عُرضت هي به تلافيًا للإطالة.
 
"وفاء" المُسْلمة باقتناع، المُرْتَدّة بالإكراه:
لقد هزَّ اعتناقُ "السيدة وفاء المسيحية" [كما يأبى الشيخ الطنطاوي أن يسميها إلا كذلك] زوجة أحد القساوسة في البحيرة للإسلام – هزَّ الشارع النصراني في مصر، ووحّد صَفّ طوائفهم المتعددة، ودَوَّتْ أخباره في العالم، في الوقت الذي يقول فيه شيخ الأزهر "هذه السيدة أنا شخصيًّا لا علم لي بها في أول الأمر.. لكن الذي أخبرني بها أحد أبنائنا الذين يعملون في الأمن…".
وأنا هنا أريد أن أعلّق على نقطة هزتني وهي غياب شيخ الأزهر عن أحداثٍ ووقائعَ تبلغ مستوى الزوابع الاجتماعية، وخاصة في أَمْر له صلة مباشرة بمسؤوليته أمام الله تعالى، امرأة اعتنقت الإسلام وتعرضت لضغوط هائلة لِتُثنيَها عن ذلك ولترتد، واستمرت ردات الفعل لأيام وألقى البابا شنوده أوامره الدينية -بغضّ النظر عن القوانين والديمقراطية- للشباب القبطي "المصري" أن يعيدوا "أُمّهم" زوجة أبيهم القسيس من "براثن الذين غروها" بترك النصرانية! فلبَّى الشباب القبطي واشتبكوا مع الشرطة المصرية في القاهرة مما أسفر عن إصابة بضعة عشر شرطيًّا واعتقال بضعة عشر قبطيًّا…
ولم يكن شنوده غائبًا في أول الأمر "يستمع للأغاني" ولا منتظرًا لبعض "أبنائه الذين يعملون في الأمن" ولا لبعض "الإخوة من رجال الدين الإسلامي" ولا "الصحف"… بل كان شنوده هو الذي يصنع الحَدَث! والتزامًا بأمر الله: )يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى( فأنا مضطر للاعتراف بقوة موقفه وتضحيته في سبيل دينه وتحمله لمسؤوليته حين اعتكف 12 يومًا حتى اضطرت الدولة لإطلاق سراح شبابه الذين خالفوا القانون وكسروا هيبة الدولة وأحدثوا فوضى أمنية ونعرة طائفية.
في الوقت الذي كان شيخ الأزهر يعدِّل قانون اعتناق الإسلام في النظام المصري ويزيده شدّة على شدة بإضافة شروط شبه تعجيزية، مما دعا إذاعة لندن BBC للقول: لقد كادت زوجةٌ لقسيس ثان أن تعلن إسلامها لولا أن تدارك شيخ الأزهر ذلك بتعديل قانون "الأسلمة"! )رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ(.
أليس في محافظة البحيرة أئمة مساجد تابعة للأوقاف -مع العلم بأنكم خضعتم للضغوط الأمريكية بإقفال كل المساجد غير التابعة للأوقاف- ليخبروك بما يحصل على الأرض مباشرة؟ ولئلا تكون رؤيتك بعين واحدة هي "أحد أبنائك الأمنيين" والله تعالى يقول: )إنْ جاءكم فاسق بِنَبَأٍ فتَبَيَّنُوا(.
ومما يؤسَف له أنكَ لم تتدخل حتى جاءك بعض "الإخوة" من المسيحيين "رجال الدين" وطالبوك بالتدخل -كما قلتَ بنفسك-. أليس من المستهجن أن تقول وأنت في منصب كان له في قلوب المسلمين وعلى أرض الواقع "المحل الأول"، أن تقول إنك ستخاطب د. أسامة الباز [مستشار رئيس الجمهورية] "وما أُكَلَّفُ به سأفعله"؟!
   ألم يَكْفِكَ التكليف الرباني في قوله تعالى: )يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ… ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( [الممتحنة: 10]. ورسول الله r يقول: "ما مِن عبد يسترعيه الله رعية فلم يَحُطْها بنصحه [وفي صحيح مسلم: ثم لا يَجْهدُ لهم] إلا لم يجد رائحة الجنة" رواه البخاري.
ألم تدرِّسونا -مشكورين- في معاهد الأزهر قصة سيدنا عمر t حين وجد الأرملة عاتبة على الخليفة "عُمر" t وهي تغلي الحجارة في قِدْر الطبخ لِتُعَلِّل أيتامَها الجائعين… ولمّا سألها وهي لا تعرفه: "وما يُدري عمر بحالكم؟!" أجابت بكلمة طارت مَثلاً على مَدار الأيام: " يَلِيْ أَمْرَنا ويَغْفل عنا؟!".
ثم تختم الملف -يا شيخ- بكل بساطة لتقول عن رِدَّتها عن الإسلام تحت تلك الثورة والضغوط الاجتماعية وتقصيرِ مرجعية المسلمين، لتقول وعليك كل ملامح الراحة النفسية والطمأنينة متكئًا على "الكنبة" -كما تبدو في صورة المقابلة- تقول: "أنا شخصيًّا أقول: لا شيء في ذلك، لأن العقائد لا إكراه عليها"!

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *