المصافحة بين الجنسين عند أبي حنيفة

 

كالعادة وافتنا مجلة لبنانية بمقال "خلاف فقهي بين علماء أزهريين: في مصافحة المرأة هل هو زنى..؟؟" وقد وردت فيه بعض الأخطاء العلمية، وإني وإن كنت أستبعد أن يَصْدُر بعضها عمن نُسبت إليهم فسأناقشها كما وردت.

ـ فما نُسب إلى أحد علماء الأزهر من "أن جمهور العلماء يرَوْن أن المصافحة بين الجنسين حرام ما عدا "أبو حنيفة" وحده الذي قال بأنها حلال" أكاد أجزم أنها ليست سَبْق لسان منه، بل هي خطأ من الذي نقلها عن الشيخ فإن طلاب العلم يعرفون أن المصافحة بين الأجنبيين حرام باتفاق العلماء ومنهم أبو حنيفة، إنما قال أبو حنيفة إن لمس الأجنبية لا ينقض الوضوء رغم حرمته، كما لا ينقضه الكذب والسرقة والغيبة وكلها حرام!
ـ وأما ما نُسب إلى دكتورة أزهرية معروفة ففيه أكثر من خطأ منها:
1. ادعاء أن عدم مصافحة النساء الأجنبيات خصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم : وهذه دعوى تحتاج إلى دليل لأن الأصل في أعمال النبي r التشريعية العموم لا الخصوصية. ثم إن كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أطهر الخلق قلباً لم يصافح النساء في البيعة وهي موقف سياسي ـ بعيد عن العاطفة ـ مع الصحابيات الطاهرات، فكيف يجوز لغيرهم؟!
2. ادعاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم  أمر سيدنا عمر فصافح هو النساء! وهذا غير ثابت، لم يصح من حيث السند والمتن كما بيّن ذلك المحدث الشيخ محمد إسماعيل الأنصاري رحمه الله في كتابه "تحريم مصافحة الأجنبية".
3. ادعاء كون الدليل الذي يحرِّم المصافحة ظنيّاً تكلم العلماء في إسناده: وهذا كلام غريب! فحديث "كُتب على ابن آدم نصيبه من الزنى.." صحيح رواه البخاري ومسلم، و"اليدان تزنيان وزناهما البطش" صحيح رواه مسلم، والحديث الآخر "لأَن يُطْعن في رأس أحدكم بِمِخْيط من حديد [كالإبرة] خير له من أن يمس امرأة لا تحل له" صحح إسناده العلامة المُناوي وقال: (وإذا كان هذا بمجرد المس فما بالك بما فوقه من نحو قُبلة؟!) التيسير 2/288، وصحح إسناده الإمام ابن حجر الهيتمي في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" 2/3، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 4/326: رواه الطبراني [ في المعجم الكبير] ورجاله رجال الصحيح اهـ. وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" 3/39 بصيغة الجزم [للدلالة على ثبوته] وقال: رواه الطبراني والبيهقي ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح. وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" برقم 226.
وأتساءل: إن كان هذا التنفير والتحذير النبوي في هذا الحديث الصحيح يجعل طعن الرأس بإبرة حديدية أهون وأخف من المصافحة لا يدل على التحريم، فماذا يدل على التحريم إذنْ؟!
وفي ادعاء أن دليل تحريم المصافحة "ظنّي": خطأ في استعمال مصطلح دقيق المعنى يحمل غير المشتغلين بأصول الفقه على التشويش والخطأ في الفهم، فإن الله تعبّدنا في فقه الحلال والحرام بغلبة ظن العلماء (الظن الراجح) وأمرنا باتباعهم، وضّح ذلك الإمام النووي بقوله: (الأحكام كالحلال والحرام.. لا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن).
4. ادعاء أنه لا يجوز قياس المصافحة على الزنى: هذا يدعو للعجب فتسمية المصافحة "زنى" هي قول النبي ولفظه (عبارة النص) لا قياس! وقد شرح الإمام النووي "زنى البطش": (بالمس بأن يمس أجنبية بيده)، بل اعتبر المشي إلى المصافحة أو النظرة الحرام من زنى الرِّجْل فقال: (أو بالمشي بالرجل إلى الزنى أو النظر أو اللمس) شرح صحيح مسلم 16/206. وقد حرّم الله تعالى في القرآن الزنى ومقدماته كاللمس والنظر فقال: )ولا تقربوا الزنى(.
لذا أقول: إن تحريم المصافحة واللمس بين الجنسين ممن ليس بينهما عقد زواج أو قرابة مَحْرَمية متفق عليه بين العلماء بدلالة القرآن والأحاديث الصحيحة الواضحة، فلا يجوز تقليد أحد زلّ بخلاف ذلك، ولو كان عالماً صالحاً:
فليس كلُّ خلاف جاء معتبراً              إلا خلافٌ له حظٌّ من النظر
وللدكتورة المذكورة أيادٍ بيضاء في نشر العلم والدفاع عن الإسلام، فإن صح أن هذه زلّة من قلمها ـ وجَلّ من لا يخطئ ـ فنسأل الله أن ترجع إلى الصواب، والجدير بنا أن ننشر خدماتها المباركة لا خطأً زلّ به قلمها.

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *