فَجِّرْ طاقَاتِك بِالعِلْمِ

لم يَعُد يخفى على أحد العمقُ الذي بَلَغتْه أُمتُنا في الانحطاط، ويستطيع كل فرد من الخواص والعوام أن يتفنن في عرض ذلك وفلسفة أسبابه. ولكن يبقى الأهم هو توصيفُ العلاج والعملُ به، بدل الاكتفاء بالبكاء على الأطلال.

وإذا تأملنا التوجيهات الربانية والنبوية، وتعرفنا سُننَ الله في خَلقه عبر النصوص وتجارِب الأمم: وجدْنا بكل وضوح أن العِلم النافع مُرْتَكَزٌ أساسي للنهوض والإحياء؛ ففي البَدْء كانت الكلمة: }اقرأ{، وأَمَر اللهُ بالاستزادة من العلم: }وقل ربِّ زِدني عِلماً{، وبيَّن رِفعة درجة أهل العلم خاصة: }يرفعِ اللهُ الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلمَ درجات{. وقد عَلَّمَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن طلب العلم نوع من أنواع "الجهاد" بمعناه الواسع، وأن الموت في رحلة طلب العلم شهادة في سبيل الله فقال:

"مَنْ خرَجَ في طَلَبِ العِلمِ فهو في سبيل الله حتى يَرْجع" رواه الترمذي وقال: حسن.

ولكنْ أيّ "عِلْم" هذا! إنه العِلم الذي يَقصد طالبُه به إرضاءَ ربِّه سبحانه والتقربَ إليه وتزكيةَ أخلاقه وإفادةَ أُمته؛ من علوم: الإيمان والقرآن وهَدْي النبوة ثم علوم الكون النافعة على اختلافها؛ كالطب والفَلَك والفيزياء… وكل علم يساهم في قوة الأمة وازدهارها فهو واجب بقدر ما يغطي حاجاتها، وهو ما يُسمى بِفرض الكفاية بحيث يأثم كل فرد لم يَبذل جهده في تلبية تلك الحاجات إذا فقدها المسلمون؛ قال الله تعالى: }إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ{ وقال: }وأَعِدُّوا لهم ما استطعتم مِن قوة{ وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تعلَّم عِلْماً مما يُبْتغى به وجهُ الله عز وجل لا يتعلمُه إلا لِيُصيب به عَرَضاً مِن الدنيا لم يَجِدْ عَرْفَ الجنة يوم القيامة" رواه أبو داود بإسناد حسن.

وقد استفاد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من التقنيات والعلوم المتوفرة في عصره، ووجّه أصحابَ الجدارة لِتَلَقّي بعض المعارف والاختصاصات واللغات؛ فأَمَر الشابَّ الحافظَ للقرآن زيدَ بن ثابت بتعلُّم السُّريانية فأتقنها قراءةً وكتابةً في 15 يوماً، واستفاد من التكتيكات العسكرية الفارسية بِحَفْرِ الخندق في غزوة الأحزاب، وأوفد بعثةً لِتَعلم صناعة الدَّبّابات [وهي هَياكل خشبية مرتفعة تُغطّى بالجلود المدهونة بمواد مانعة للاحتراق، تستخدمها فِرَق العمليات الخاصة لتصل إلى سُور قلعة العدو لإحداث ثقْب فيه للاقتحام منه] ليستخدمها بعد ذلك في حصار الطائف… وهكذا فَجَّر هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم طاقات الأُميّين ونَمَّى فيهم الإبداع وجعلهم قادة وأساتذة العالمين، وهكذا انطلق العلماء الموسوعيون في عِشْق للعلم؛ فهذا:

الإمام أبو الرَّيحان البَيْروني (ت440هـ): الفَلَكي الرياضي المؤرخ اللُّغوي الأديب، كان يتقن 5 لغات: العربية والسريانية والسنسكريتية والفارسية والهندية، كتب 120 مؤلَّفاً. قال عنه المستشرق سخاو: "هو أكبر عقلية عرفها التاريخ" رحمه الله تعالى.

والإمام علاءُ الدين ابنُ النَّفيس (ت687هـ): البحاثة في الطب، الفقيه الشافعي المحدِّث اللُّغوي مكتشف الدورة الدموية، ألف كتاب "الشامل في الطب" في 300 سِفر (جزء). كان يغتسل مرة في أحد الحمامات العامة فخرج وطلب محبرة وورقة وكتب مقالة في (النبض) ثم رجع لِيُكمل استحمامه!

والإمام ابن خَلدون (ت1406م): المؤرِّخ العالِم الاجتماعي البحاثة الفيلسوف. قال عنه آرنولد توينبـي في كتابه "دراسة التاريخ": "إن ابن خلدون نَسِيجُ وَحْدِه [أي فَريد] في تاريخ الفكر، لم يدانِه مفكِّر كان قَبله أو جاء من بعده في جميع العصور". وقد تأثر به كل كُتَّاب فلسفة التاريخ بعده.

وغيرهم كثير؛ من العلماء الموسوعيين أو الباحثين والمكتشفين والقادة السياسيين والعسكريين…

والمميز للعلماء الذين تولَّوا التوجيهَ الفكري والبناءَ الحضاري في الإسلام أن أكثرهم كانوا متعمقين في العلوم الشرعية [وانظر للتوسع أمثال كتاب "الحضارة العربية الإسلامية" د. شوقي أبو خليل] وبمثل هذه الجهود المتراكمة قامت دولة الإسلام وازدهر مجتمعه لقرون.

ولكن يبقى أنَّا نفتقر لدولة ونفتقد مقومات الازدهار، فما السبيل إلى النهوض والتقدُّم؟!

لا شك أن النهوض لا ينجزه التنظير في مجلدات فضلاً عن مقالة أو مقالات، ولكن هذه الكلمات بذور طيبة نرجو أن تقع في أرض خِصبة طيبة من قلوب المؤمنين فتنبت شجرة طيبة أصلها ثابت وفَرعها في السماء.

ومما سبق وجدنا أن أحد أهم مقومات الازدهار – كما يستفاد من التوجيه الرباني والهَدْي النبوي والاجتماع الإنساني – تحصيل العلم النافع وتسخيره لخدمة الأمة.

ومن التجارِب المعاصرة: نهضة اليابان؛ حيث إن أحد أهم أسبابها يرجع إلى التضحيات الفردية التي قدَّمها الطالب الشاب "أوساهير ساموراي" بدافع شخصي حين بُعِث إلى جامعة هامبورج في ألمانيا فتخطى بطموحه وتضحياته مِنهاج الجامعة ومَطالب الأساتذة، وقضى بين الدراسة والتدريبات في ألمانيا 8 سنوات، ثم في ناكازاكي 9 سنوات ليقدم بعدها لحاكم اليابان "الميكادو" أول 10 محركات "موتورات" يابانية الطراز "الموديل" فقال: (هكذا مَلَكنا "الموديل" وهو سِرُّ قوة الغرب، ونقلنا قوة أوروبا إلى اليابان، ونقلنا اليابان إلى الغرب)!

أيها الطُّلاب: يا من تشرفتم بالعلم؛ إنها أمانة، فعليكم بالجِدِّ وعُلُوّ الهمة والاستعانة بالله والصبر في سبيل رضاه، فقد سَلَك الكثيرُ طريقَكم ولم يثبت فيه إلا العظماء، وإليكم نصيحةَ الإمام الشافعي رحمه الله:

 

أخي لن تَنـالَ العِلمَ إلا  بِسـتةٍ

سأُنْبِيْك عن تفصيلها بِبـيانِ:

 

ذكاءٌ، وَحِرصٌ، واجتهادٌ، وبُلغَةٌ،

وصحبةُ أُستاذٍ،  وطولُ زمانِ

 

[البُلغة: المال لبُلوغ الهدف]

اترك ردًا

رجاء أدخل الأرقام الظاهرة للتأكد من أنك لست روبوت *