هل يجوز لي السفر إلى أوروبا وطلب اللجوء بسبب وضعي الصحي؟
فتوى رقم 4595 السؤال: السلام عليكم، أنا رجل متزوج، وعمري ٣٧ عاماً، وعندي ابنتان، والدي متوفَّى وليس لدي أخ، والدتي مقيمة معي في البيت، أنا معي دِسكين بالظهر وكل فتره يشتد الوجع ولا أستطيع المشي أو الوقوف. فقط أكون مستلقياً على ظهري، حتى يخفَّ الوجع، وأنا ضد فكرة السفر إلى أوروبا وطلب اللجوء، ولكن في حالتي، وليس ثمة مُعيل لزوجتي وأولادي وأمي إلا أنا، فإذا -لا سمح الله- اشتد الوجع ولم أستطع إكمال وظيفتي، فسوف يتمُّ توظيف شخص آخر، وقد أُطرد من بيتي المستأجَر، فالحلُّ الوحيد لدي هو السفر إلى أوروبا وطلب اللجوء، تلك الدول تساعد براتب حتى في حالة عدم العمل، فهل يجوز لي في هذه الحالة طلب اللجوء؟
الجواب، وبالله تعالى التوفيق:
مسألة السفر إلى بلاد الغرب في زماننا مسألة خطيرة؛ لما فيها من تحدِّيات للمسلم الذي يهاجر وكذلك لأولاده، فمهما حاول المسلم المهاجر أن يحفظ دينه، فإنه يتأثر غالباً بمحيطه، ويكون ذلك أكثر تأثيراً من والدهم، وقصص المهاجرين كثيرة في هذا المجال، وغالباً ما يكون المسلم المهاجر غير محصَّن عقدياً وفكرياً وأخلاقياً من التأثر بتلك المجتمعات، لذا: الواجب عليك البحث عن بدائلَ تحفظ من خلالها إسلامك وإسلامَ أهلك وأولادك، فأصل الهجرة إلى بلاد غير مسلمة هي لحفظ الدين والنفس، وهذا غير ممكن الآن إلا نادراً، فالسفر إلى تلك البلاد مشروط بأن لا يكون في هذا السفر فتنة للمسلم في دينه، ففي هذه الحالة يَحْرُمُ السفرُ إلى بلاد الكفر؛ وذلك سدًّا للذريعة ودرءًا للمَفسدة والتي تقدَّم على جلب المصلحة. ويدخل ذلك في مفهوم ومسمَّى الفتنة ما يستدعي الوقوع في المحرَّمات، وهي تنقسم إلى نوعين:
محرَّمات فكرية اعتقادية -وربما تُخرجه من الملَّة عياذاً بالله- ومن أمثلة المحرَّمات التي لا تُخرجه من الملَّة: التعايش مع المنكرات، واعتياد رؤيته لها بحيث يأنَسُها، مما يجعله مع مرور الوقت لديه قناعة فكرية تصل به إلى الرضى العقليِّ به، وللأسف هذا ما نلحظه من البعض في بلاد المسلمين فما بالك في بلاد الكفر، وربما يصير يبرِّر لمن يرتكب الحرام أن ذلك من الحرية الشخصية التي لا يَحِقُّ لك أن تُنكرها أو تعترض عليها، حتى رأينا من يبرِّر للشذوذِ الجنسي، بحجج واهية، وكلُّ ذلك بسبب الرضا العقليِّ والفكريِّ الذي من ثمرته الاستئناس النفسي بدل الشعور بالاشمئزاز والإنكار. وربما صار ذلك مع مرور الوقت منزلقاً إلى الكفر والخروج من الإسلام، لذا حذَّر القرآن الكريم من ذلك في أكثر من موضع، قال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [النساء، الآية: 140].
ومحرَّمات سلوكية: وهي كثيرة؛ لأن المسلم المقيم في تلك الدار ستتسرَّب إليه تلك السلوكيات من خلال البيئة التي يتعايش معها. وتتمثَّل هذه المحرَّمات في العادات والسلوكيات التربوية، المقصودة وغير المقصودة، فإنْ نجا الآباء منها، باعتبار أنهم تربَّوا في بلاد المسلمين، فغالباً لن ينجوَ منها الأبناء، لما سيكسبونه من عادات وسلوكيات تربوية، ومفاهيمَ عقدية، خاصة وأن السلطة القائمة في تلك البلاد تتدخل لصالح الأبناء عند حصول خصام أو شجار بين الآباء والأبناء – القوانين تكفل ذلك- وربما يخسر الأبُ أولادَه نهائياً، بأنْ يتمَّ أخذُهم إلى مراكزَ وبيوتٍ وعائلات كافرة، لينشأ فيها هذا الولد أو تلك البنت.
وعليه: فإنَّ مَنْ خاف الفتنة في تلك البلاد حَرُمَ عليه السفر إليها، أو الإقامة بها ووجب عليه البقاء في دار الإسلام، وقد جاءت الأدلة الشرعية مبيِّنة لما ذكرناه، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا۞ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) [سورة النساء الآيتان:97، 98] ملخَّصاً من كتاب :”أسنى المطالب” لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي (4/204)، ومن المغني لابن قدامةَ المقدسيِّ الحنبليِّ (9/236). يقول الحافظ المفسِّر ابن كثير -رحمه الله- عند قول الله تعالى: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) [سورة العنكبوت، الآية: 56]، “هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدِّين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامة الدِّين، بأن يوحِّدوا الله ويعبدوه كما أمرهم”. انتهى. ويقول أيضاً عند تفسير الآية 97 من سورة النساء: “الآية الكريمة عامَّة في كلِّ مَن أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكِّناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع “انتهى. ومن الأدلة ما رواه الترمذيُّ في سننه وغيره، بسند صحيح أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “أنا بريءٌ من كلِّ مسلم يُقيم بين أظهر المشركين” يقول الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ الشافعيُّ -رحمه الله- في:” فتح الباري” (6/39) “هذا الحديث محمول على مَن لم يأمن على دينه”.انتهى. وقال الفقيه ابن حجر الهيتميُّ -رحمه الله- في “تحفة المحتاج” (9/ 268): “إنْ أمكنه إظهار دينه لشرفه أو شرف قومه، وأَمِنَ فتنةً في دينه، لم تجب -أي: عليه الهجرة من بلاد غير المسلمين- لقدرته على إظهار دينه” انتهى.
وعليه: ننصح الأخ السائل بأن لا يهاجر إلى بلاد غير مسلمة، أوروبا…مثلاً، ونذكِّره بقول الله تعالى: (ومَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب) [سورة الطلاق، الآيتان: 2، 3]. خاصة أن السبب المذكور غير مؤكَّد الحصول، فأسأل الله لك الشفاءَ مما أنت فيه، فنِعَمُ الله تدوم بالشكر عليها، قال الله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ([سورة إبراهيم، الآية:7]. والله تعالى أعلم.








